الأربعاء، 4 مارس، 2015

Giliap

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4/5

بطولة : تومي بيرغرن ، مونا سيليتس
إخراج : روي آندرسن (1975)

في فيلمه الروائي الثاني (جيلياب) يصرّ السويدي روي آندرسون أن يبرز مدى الملل والوحدة التي يعيش فيها أغلب أفراد مجتمعه ، منذ بداية الفيلم يُظهر تلك الوحدة من خلال إبراز عنصر وحيد مختلف وسط مجموعة من الناس ، بدايةً من النادل الذي يستلم عمله حديثاً ويظهر كشاب وحيد في بداية الفيلم وسط العاملين في الفندق المتقدمين في العمر جميعهم ، وأيضاً ضيف الجنازة الذي يبقى وحده وسط الحفلة الليلية المرحة ، وحتى الفندق ومالكه يظهران ككيان وحيد وسط مجتمع مختلف عنه وذلك بإصرار مالك الفندق على الإبقاء على درجة عالية من الارستقراطية واضح من زبائنه المترددين عليه أنها لم تعد موجودة .

من خلال ذلك النادل الشاب يُبرِز آندرسون كيف تكون الحياة بلا معنى وبلا هدف وبلا خلفية يستند الانسان عليها في أمور حياته ، ذلك الشاب الذي حاول أن يجد لحياته معنى ولم يجد ، فقرر أن يقضي حياته كما تمضي به الأيام ، لا يوجد بها شيء مميز ، يقول أنه بحار ينتظر سفينة يسافر بها ، ولكنه لا يسافر ، سره كما قال أنه لا توجد لديه أسرار ، ومن الواضح كيف أن ذلك يفرض ضيقاً على روحه ونفسه يظهر كثيراً من خلال الفيلم ، أما الفتاة التي أحبته فهي وحيدة حزينة روحها تحتضر ، فهي أيضاً عالقة في هذا المكان ولا يوجد في حياتها أي شيء جديد ، وكان مَقدِم ذلك الشاب شيئاً جديداً يضفي قليلاً من اللون على حياتها ، أخبرته كم تشعر بالحزن حينما يقول بأنه سيسافر وأنها ترفض تصديق أنه لن يكن موجوداً هنا وأنها خائفة من أنه سيأخذ مشاعرها معه ويرحل ، مما يدفعك كمُشاهِد للتساؤل أيّ مشاعر هذه وهي لم تعرفه سوى من بضعة أيام ، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مقدار الركود الذي أصاب حياتها فلا جديد ولا حركة فيها حتى قدوم هذا الشاب.

الشخصية الثالثة التي يركز عليها الفيلم هي شخصية (الكونت) ، وهو أكبر مثال على كيف أن الاحباط والملل يقتل الانسان ويشوّه روحه ويدفعه للجنون ، فهذا الكونت يخلق خططاً وعوالم لا تستحق ولا تستوجب خلقها ، عوالم مخيفة يضعها في إطار زائف من قدرته على السيطرة عليها ، يخطط ويفرض خططه وأحكامه وقوته على الآخرين ، ويستحوذ على (آنا) وهي الأجمل بين كل الموجودات من حوله ، كل ذلك فقط ليملاً وقته فهو لا يحتاج للمال مثلاً ولا يحتاج لكل ما يفعله ، هو فقط يملاً خواء روحه الذي حوّله إلى مهووس متوحش .

لماذا جمع روي آندرسون بين هذه الشخصيات ؟ جمعها كما قلت ليبرز الملل والوحدة التي يحيا بها من حوله ، وهو كان قد أبرز ذلك في فيلمه الأول (قصة حب) إلا أنه في ذلك الفيلم أحاط الأمر وزيّنه بقصة حب المراهقَين الجميلة ليوضح مدى التناقض بين الحياة والشغف الذي يحياه هذان المراهقان وبين الاحباط والملل الذي يعيشه البالغون من حولهم ، أما في الفيلم هنا فهو لم يزين الأمر بأي شيء ، حتى قصة الحب الموجودة هنا كانت نابعة من الملل والاحباط والفراغ الذي تحياه شخصيات الفيلم فكان الفيلم مملاً تعيساً مثلهم ، وأنا لا أجد في ذلك الملل عيباً في الفيلم وإنما أمراً أساسياً وقدرة على توضيح ما يريد آندرسون قوله ، كما أنه وضع بين ذلك الملل تفاصيل حياتية اعتيادية لكنها كانت مميزة في وجودها ، كمزاح العاملين في الفندق ، تصليحهم لتلك الدراجة النارية المزعجة ، السكارى المتجولون في الشوارع ، تفاصيل زبائن الفندق ، وغيرها .

في النهاية يترك لك آندرسون مساحة لتفكر في الخيارات التي يأخذها الانسان في حياته ، حيث سافر ذلك الشاب إلى تلك الفتاة بعدما تركته هي ، وتركنا آندرسون نفكر لماذا ذهب إليها وهو يرفضها منذ البداية ، هل شفقة منه عليها ؟ ، أم لأنه افتقدها فعلاً ووقع في حبها مثلما أحبته ؟ ، أم لأنه فكر ووجد أن الحياة لن تقدم له ما هو أجمل وأفضل من حبها و وجد هذا كافٍ بالنسبة له وخير بديل عن كل الانتظار الذي أضاع فيها حياته ؟ ، لا نعرف حقيقةً وترك أندرسون حرية الاجابة لكل من يشاهد الفيلم قبل أن ينهيه نهاية تعيسة تليق بهذا العالم الذي يعبر عنه .