الخميس، 12 مارس، 2015

Black Orpheus

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : برينو ميلو ، ماربيسا داون
إخراج : مارسيل كامو (1959)

رغم الإخراج والانتاج الفرنسي لكن الفيلم برازيلي للغاية ، بالطبع الفيلم مبني على مسرحية كاتبها برازيلي ، لكن ما يمنح الفيلم أصالته البرازيلية الخاصة كان البشر والموقع والحدث ، وبالتأكيد الموسيقى ، أعتقد أن مقارنة الصوت بأي من عناصر الفيلم الأخرى أمر غير عادل ، فالصوت كان الأكثر أهمية وانتشاراً وتأثيراً ، الفيلم قدم موسيقى (بوسا نوفا) إلى العالم ، ويبدو أن الأخير كان متلهفاً لموسيقى السامبا ، فحققت بوسا نوفا انتشاراً كبيراً ، وساهمت بشكل ملحوظ في اشعال ثورة موسيقية عالمية ، والتسبب في إنقلاب ناعم – غير مقصود – في ذائقة المستمعين .

الفيلم لاقى كذلك نجاحاً نقدياً كبيراً ، حيث تم تكريمه بعدد من الجوائز الكبرى ، ليصبح أحد الأفلام القليلة التي تجمع ما بين سعفة (كان) ، أوسكار أفضل فيلم أجنبي ، الجولدن جلوب لنفس الفئة ، جدير بالذكر أن العام كان حافلاً بأفلام ستصبح أعمال كبيرة فيما بعد ، حيث كان ينافس (أورفيوس الأسود) في (كان) أسماء مهيبة على غرار The 400 BlowsHiroshima Mon Amour Nazarin.

لا يمكن تحديد إجابة للسؤال إن كان الصدى الكبير الذي وجده الفيلم كان بسبب الموسيقى ، أم أن العكس هو الصحيح ، الفيلم قدم للعالم كذلك الثقافة الاحتفالية البرازيلية ، عن طريق شعب / طاقم تمثيلي لا يتوقف عن الرقص ، كيف يكون الكرنفال في البرازيل ، كيف يتم تذويب الفروق بين الطبقات خلال الحدث ، "سعادة الفقراء في وهم المهرجان" ، هناك ملامح بسيطة للفقر داخل الفيلم ، لكنها – وإن كانت ملحوظة – أتت دون إجبار ، كما يمكن ملاحظة التكدس السكاني والزحام والصخب ، كل ما يمكنه منح الشعور العام للمدينة الأعجوبة (ريو دي جانيرو).

الفيلم نجح في جعل التراجيديا خفيفة بطريقته الخاصة ، لم تسيطر على الفيلم المشاعر القوية ، التي تكون معتادة أو حتمية عند تناول قصة رومانسية تنتهى نهاية مأساوية كما في الأسطورة الإغريقية ، حيث أن الفيلم أراد أن يكون تعريفياً تثقيفياً ، أكثر من رغبته في الالتزام بالأسطورة ، أثناء ذهاب الفتى أورفيوس للزواج من فتاة ، سأل الموظف المختص – بعد أن علم اسم أورفيوس – إن كان اسم الفتاة يوريدس ، طريقة خاصة في الدعابة والتذكير بالأسطورة ، كما كانت طريقة درامية أيضاً لزرع حب يوريدس في قلب أورفيوس .

الشيء اللافت والمختلف عن الأسطورة ، أن الفتاة يوريدس ماتت بعد ملاحقة شخص مقنع لها ، يرتدي زي الموت (زي ليس بالشاذ أثناء الكرنفال) ، الشخص الممثل للموت أو القدر لم يقتل الفتاة ، لكن حبيبها الذي أراد حمايتها هو من تسبب بقتلها دون قصد منه ، أحد النقاد أشار إلى أن الأمر يرمز لعقاب شعري للفتاة التي سلمت جسدها لحبيبها في نفس يوم اللقاء الأول ، الليلة الوحيدة ، عقاب شعري يبدو محبباً في الأساطير ، لكن الفتى نفسه سيلحق بها على يد الفتاة التي لم يتزوجها ، أيضاً دون قصد منها ، حتى يجتمع العاشقان سوياً من جديد ليشكلا زهرة ، في واحدة من أكثر صور الفيلم رومانسية ، الأمر ليس عقاب شعري إذاً .

الفيلم مزج بذكاء الواقع والخيال ، حتى صار من الصعب تحديد أيهما ، الشيء اللافت في تلك المحاولة لجعل الأسطورة عصرية ، كان في إعادة تعريف الجحيم ، تقول الأسطورة أن أورفيوس كي ينقذ يوريدس تحتم عليه الذهاب إلى الجحيم ، لكن أورفيوس الأسود تحتم عليه أن يمر بجحيم أسوأ ، جحيم بيروقراطي ، المستشفيات الرسمية ، أقسام الشرطة ، "لا يوجد هنا سوى الأوراق .. وكل هذه الأوراق لن تهديك الإجابة .. هل تظن أن الأوراق تهتم بأمر أحد؟".

اللون الأحمر صاحب التواجد اللافت طوال الفيلم ، كان نذيراً بشؤم على وشك الحدوث ، الألوان – بصفة عامة – حتمية الوجود بالنسبة للفيلم ، لا يمكن تصوره بدونها ، وإن تم ذلك لفقد الفيلم جزء كبير من قيمته .

المخرج الفرنسي – الذي عمل مساعداً لبونويل و جاك بيكر وكان سجيناً أثناء الاحتلال النازي – اختار الشخصية الرئيسية أثناء مشاهدته أحد المارة يعبر الشارع ، قد يكون الممثل الذي لعب دور أورفيوس الأسود غير محترف كممثل ، لكنه كذلك كلاعب كرة ، الممثلة التي لعبت دور يوريدس كانت راقصة أمريكية جميلة (بالتأكيد) ، طاقم التمثيل غير المحترف ساهم في تأصيل الفيلم ، وجعله أكثر برازيلية منه إلى الفرنسية .

القدر يبدو وكأنه يتأرجح بين الحتمية والاختيارية ، الموت أمراً لا مفر منه ، بينما بزوغ الشمس في اليد ، حيث يعتقد الأطفال أن أورفيوس يمكنه بعزفه وغنائه جعل الشمس تشرق ، هذا – وإن لم يكن صحيحاً – لكنه يمنح الأمل ، المشهد الأخير جاء مؤكداً كذلك على الأمل ، مانحاً مشاهده ابتسامة كبيرة تساعد بدورها على تخفيف المأساة ، أو نسيانها بالمرة .

بعض النقاد والبرازيليين المتحمسين انتقدوا الفيلم لعدم وثائقيته كفاية ، ليعبر عن الصورة الحقيقية للبرازيل ، كما يرونها ، عوضاً عن كاميرا تمثل عين سائح ، مشهد الشعائر الدينية – الذي حضره اليائس أورفيوس لاستحضار روح الحبيبة – يمكن اعتباره وثائقي بامتياز ، لكنه ربما كان أضعف ما في الفيلم ، طويلاً لا يبدو أنه سينتهى ، أعتقد أن ما رأيناه من البرازيل كافياً ، خاصة بالنسبة لفيلم خفيف على المعدة يتناول الخيال ، ربما لا يرضى طموح البعض ، لكنه يظل تمهيداً لا بأس به لثقافة جديدة يبدو أن العالم دائم التعطش لواحدة .