السبت، 14 فبراير، 2015

بيروت الغربية

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : رامي دويري ، محمد شماس ، رولا الأمين
إخراج : زياد دويري (1998)

يؤجل زياد دويري جدية و قسوة الأحداث التي يقدمها حتى نهايته ، لحظة عظيمة تلك التي يتحول فيها إيقاع الفيلم الساخر الناقد لكل شيء إلى إيقاع جاد كله مرارة و شجن .

في كثير من الأفلام قد تنسف لحظة التحول تلك إيقاع الفيلم بأكمله ، لكن زياد دويري يعرف جيداً ما يفعله ، تلك اللحظة تُمثل لطارق - بطل الفيلم - إدراك أو كشف لواقع أكثر مرارة عما كان يتخيله ، اللحظة نفسها لا تتعدى إطار نفسية مُراهق اعتقد أنه لا يبالى للحرب بل بالعكس أعطته فرصة انطلاق و تحرر لم تكن لديه قبل نشوب الحرب ، بعد تلك اللحظة يتوارى طارق في الظل ، الحرب الآن لم تعد كما كان يراها ، روعة الفيلم بأكمله مُختزلة بالكامل في تلك اللحظة ، في شكل الفيلم قبلها و شكله بعدها ، في طبيعة اللحظة و عظيم تأثيرها على طارق و على المُشاهد على حدٍ سواء .

عن تجربة شخصية عاشها و هو مُراهق أثناء الحرب الأهلية فى بيروت يُشحن زياد دويري فيلمه بروح المُراهق الذى كان يُصور أفلام وقت الحرب على كاميرته الـ 8 ملم ، تفاصيل ينثرها هنا و هناك تؤكد على ذاتية فيلمه و عن أثر تلك التجربة في تكوين شخصيته كإنسان و كمخرج بعد ذلك ، يستخلص السخرية و العفوية من كل شىء هنا ، من الجارة المُزعجة التي تشتكي من إزعاج ديك جارها ، من المُظاهرة التي يسير فيها و لا يعلم عن أي شىء تدور ، من الشغب الذى يُحدثه في مدرسته ، من تقسيم بيروت نفسها إلى جزء شرقي للمسيحيين و آخر غربي للمسلمين حيث يمنح لنفسه هنا منطقة عازلة بين الاثنين يكتشف فيها أنها المكان الذى يمكن أن يسير فيه آمناً بمجرد حمله حمالة صدر !

من الصعب على مخرج في أولى تجاربه السينمائية أن يحافظ على إيقاع درامي يجمع بين الذاتية و السخرية و الجدية أيضاً دون أن يفلت منه ، زياد دويري لا يحاول إطلاقاً أن يصور الحرب بطريقة تُلطف من سخافتها و حماقتها و قسوة تبعاتها ، شخصية طارق تتفاعل ضمن حيز يُهيمن عليه شبح الترويع و القلق و اختفاء الموارد ، حتى اللامبالاة التي يتعامل بها طارق مع الحرب ما هي إلا لزيادة و تكثيف أثر لحظة التحول التي تحدثنا عنها حتى نتفهم جيداً إحساس طارق بمرارة الحرب أخيراً ، و لذلك يُخفى زياد دويري معظم تبعات تلك الحرب إلى ما بعد تلك اللحظة : معلومة أن عائلة طارق لم يعد لديها ما تنفقه ، الخباز العجوز الطيب الذى يُهان و يتم ضربه ، الأم التي تنهار أمام كل ما يحدث ، و الأب الذى يُظهر جرحه و تمسكه بأرضه لأن أسلافه فعلوا نفس الشىء مع كل حرب مروا بها ، زياد دويري يبنى فيلمه بوعى طارق و مشاعره ، بنضجه و إدراكه لطبيعة ما يحدث ، و حتى ذلك الإدراك ليس له علاقة بمقتل أحد مثلاً ، إدراك بأن جزء الأمل الصغير الذى عاشه في بيت دعارة اختفى هو الآخر .

عن مرارة الحرب التي لها ترجمة أخرى داخل عقل مُراهق يعيش أحلامه الجنسية و تطلعاته البسيطة وسط أجواء مشحونة بالتعصب و المذهبية و العنف ، عن اللحظات التي نقرر فيها الانطلاق و اكتشاف أنفسنا لكنها في النهاية ما هي إلا تداعيات سخيفة لأحداث لم نُشارك بشكل أو بآخر في تشكيل ماهيتها ، واحد من أجمل الأفلام العربية و تجربة إنسانية من أصدق ما يكون .