الاثنين، 23 فبراير، 2015

The Cloud-Capped Star

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : سوبريا تشودري ، آنيل تشاترجي
اخراج : ريتويك غاتاك (1960)

"بالنسبة له (هوليوود) ربما لم توجد مطلقاً" - ساتياجت راي

كان غاتاك يشاهد فيلم وصول القطار للأخوين لومير لعدد لا نهائي من المرات ، يضحك كثيراً لفكرة كيف أن الآلة (الكاميرا) تنظر إلى آلة أخرى (القطار) ، يفكر في الطريقة المثلى لجعل الإنسان ينظر إلى الإنسان عن طريق تلك الآلة ،  عندما تنظر الفتاة نيتا مبتسمة بدلال إلى الكاميرا ، أصبحنا واقعين في غرامها ومتورطين بشدة .

نيتا فتاة طيبة يستغلها الجميع ، القصة التقليدية لأنها القصة الوحيدة التي حدثت وتظل تحدث ، أخ فنان يقابل باستهجان من العائلة والمجتمع ، مثل بطل فيلم جورو دوت (ظمآن) ، أخت أنانية لعوب تغوي حبيب أختها ، أب مدرس مثقف – يقتبس من ييتس و كيتس – لكنه ضعيف الشخصية ، لاحقاً سيصير عجز الإرادة عجزاً جسدياً ، الأم لم تفهم الأب يوماً ، قاسية لأنها أكثر الشخصيات التي ترى الحياة على حقيقتها وتُسمِّى الأمور بأسمائها ، فكانت قسوتها مرآة لقسوة الواقع .

عجز الأب وقلة حيلة الأخ الأكبر يجعل الفتاة تترك تعليمها ، تعمل وتصبح العائلة الوحيدة للأسرة ، الأخ يدرك أنه موهوب ، لكن ينقصه بعض التدريب ، و بالفعل لاحقاً سيصبح مغني معروف ، لذا من الصعب اتهامه بالتكاسل ، الفيلم يعرض العلاقات الأخوية المتباينة ، كيف لا تكون بنفس القوة بين الأشقاء ، كما يعرض الأب الذي يجد عمل ابنه الأصغر في أحد المصانع منفراً ، كنموذج للفكر البرجوازي للطبقة المتوسطة التي تهوى إلى الفقر .

الفيلم يبدأ بالفتاة نيتا التي يتلف سير صندلها ، وينتهي بفتاة أخرى يتلف سير صندلها كذلك ، مع الفقر والمرض دورة الحياة والموت تستمر كما هي ، صرخة نيتا الشهيرة لأخيها عندما اشتد مرضها "أخي ، أريد أن أحيا" كانت غير متوقعة أو منتظرة حيث نتوقع منها أن تموت في صمت ، بدون ضجة ، ممتثلة لمصيرها وتضحيتها ، لكنها لا تفعل .

"هل تعرفين الحقيقة ؟ المعيشة هي فن"

شخصية الأب ترادف إلى حد بعيد شخصية المخرج ريتويك غاتاك نفسه ، شخص يبدو أنه يعرف كل شيء ، لكنه لا يزال عاجزاً عن مساعدة الفتاة المسكينة التي يشعر بألمها ، غاتاك كذلك يبدو عاجزاً عن انقاذ الفتاة ، بعدما اتضح حقيقة مرض نيتا هتف الأب – على غرار خطاب إيميل زولا – "أنا أتهم" ، لكنه سرعان ما اردف "لا أحد".

الرجال في الفيلم – متمثلين في الأب والأخ – متعاطفين مع الفتاة التي تُسرق حياتها ، يشعران بالشفقة ويودان المساعدة ، لكنهما عاجزين عن الفعل ، بالإضافة إلى أسباب أخرى كالضعف والجبن ، آخر أفلام غاتاك قام بالدور الرئيس ، يمكننا ملاحظة التشابه بينه وبين الأب هنا ، مما يرجح إيحاءه للممثل الذي لعب دور الأب طريقته الخاصة في التعبير .

الفيلم انتاج وسيناريو وإخراج ريتويك غاتاك ، كأول أفلام ثلاثيته الخاصة بتقسيم الهند ، الشيء الذي لم يتم ذكره في الفيلم مرة واحدة ، كما لم يتم الإشارة إلى أن العائلة تسكن أحد مستعمرات اللاجئين ، غاتاك يحمل الكثير من الألم جراء تقسيم الهند ، التقسيم الذي جعل من أفلامه "الهندية" ممنوعة من العرض داخل موطنه ، "باكستان الشرقية" وقتها .

يستخدم غاتاك السينما كأداة للوصول لأكبر عدد من المشاهدين ، "لو وجدت غيرها أكثر إنتشاراً ، لتركتها في سبيل أخرى" ، لكن الطريف أن أفلامه ليست بالشعبية التي يتحدث عنها ، فهو فنان قدم رؤيته بدون تنازلات أو موازنات أو أي اعتبارات غير شخصية ، كما يستخدم الرجل السينما كسلاح ، لذا كانت أفلامه قاسية وإن ظلت جميلة ، جمال خام بدون تهذيب ، أفلام لا تحتمل رغد الراحة أو الاستجمام .

"السينما ليست شكلاً فنياً بالنسبة لي ، هي وسيلة لأخدم قومي" – غاتاك

افتتاحية الفيلم – التي من أعذب الافتتاحيات التي شاهدتها – بدأت بعرض شجرة ضخمة جميلة مع ظهور الفتاة نيتا تدريجياً قادمة صوب الكاميرا ، بالتوازي مع آهات الأخ الغنائية بدون موسيقى ، يتم القطع على كادر تكون فيه الأخت المبتسمة قريبة ، تتأمل الأخ الشارد في غناءه ، بينما يمكننا رؤية النهر في منتصف الكادر ، والقطار يلوح في الأفق .

غاتاك يؤمن بأن الفيلم يتكون من لقطات متراصة بحرص كالجدار ، هذا إيمان بديهي من مخرج يُقدِّس آيزنشتاين و بودوفكين ، الشجرة تكون رمز للحياة والتضحية ، كما يمكن كذلك أن ترمز إلى الفتاة الطيبة ، الفتاة بدورها قد ترمز إلى الهند المقسمة نفسها ، بينما القطارات – والتي كان لها حضوراً لافتاً – لم تتواجد بغرض جمالي وتهيئة المزاج العام - كأفلام (أوزو) مثلاً - ولكن بغرض كسر الجمال القائم ، أصوات القطارات تذكرنا بالرحيل والتقسيم .

الموسيقى التصويرية كذلك كانت أحياناً مزعجة وغريبة ، مدمجة بأصوات سريالية لا أصل لها في الكادر ، كما لجأت الصورة ذاتها لبعض سريالية ، الأصوات المزعجة مقصود أن تحقق هدفها وتقوم بإزعاج المشاهد ، كاستخدام البرازيلي دوس سانتوس للصوت في فيلمه Barren Lives ، الأغاني في الفيلم كانت بمثابة خلفيات للمَشاهد والحالة النفسية للفتاة نيتا ، أغنية طاغور الحزينة للفتاة وأخيها كانت الوحيدة التي تم غنائها بصورة لم تكن – من حيث الشكل – خلفية .

اللقطات القريبة للوجوه كانت أكثر تعبيراً مع الموسيقى من الكلمات ، الكثير من الكلمات كذلك لم تنطق ، ولم تستخدم ، الفيلم لا يعمد إلى الضغط على المشاعر ، وإن تحقق ذلك بالفعل ، فالقصة إن كانت ميلودرامية ، التنفيذ لم يكن كذلك ، العديد من اللقطات لوجه نيتا تم تصويرها من أسفل ، مما يجب أن يُذكرنا بـ(جان دارك) دراير ، ألم الفتاة كذلك وتركها لفترة طويلة في العذاب والوحدة قد يُذكِّر بقديسات دراير ، مسحوقات ميزوجوتشي ، ضحايا فون ترايير ، زوايا التصوير في المجمل كانت مميزة للغاية ، الصور والتكوينات مرسومة بعناية فائقة ، كنظر الفتاة من نافذتها التي تشبه نافذة سجن ، وانعكاس ضوء النجم في الماء ، النجم الذي لم نره مباشرة قط خلال الفيلم .

"صناع الأفلام مثلنا سيُكن لهم الجمهور بعض الامتنان ، عندما يدرك أننا محاطين بسياج، بل نحن سياج في الحقيقة ، الأكثر شؤماً ربما" - غاتاك