الأربعاء، 18 فبراير، 2015

Selma

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4/5

بطولة : ديفيد أويلوو ، كارمن إيجوغو ، تيم روث
إخراج : آفا دوفرناي (2014)

لا يوجد في 2014 فلم يتكلم حدث تاريخي و يروي في جزئيته سيرة ذاتية بشكل مُتكامل و واثق جداً من مُفرداته كما يقوم به العمل السينمائي الثاني للمُخرجة آفا دوفرناي ؛ هذا الفلم يعرف من أين يبدأ , كيف ينتهي , و ماذا يتوجب عليه خلال ذلك لتعزيز فكرة , إثارة تأمل , و استدرار تعاطف جميع من يشاهده دون إدعاء ؛ الفلم يتناول قصة الحملة الشهيرة التي قادها الدكتور مارتن لوثر كنغ خلال الأشهر القليلة من مُنتصف ستينية القرن الماضي للمُطالبة بحق التصويت المتساوي بين السود و البيض من موقع أنطلاقها في سيلما و تحقيق أحدى أهم مُنجزات حركة الحقوق المدينة في ذلك الوقت .

في سبر غور هذا التاريخ فإن ما يأسر النفس ليس برد تلك البغضاء التي يحملها العرق الأبيض تجاه نظيره و يُحرمه حق (حُريته) الأبسط في استحقاق فطري لها , بل هو ذلك الإيمان الجياش الذي استلهمه كنغ في جعل استردادها واجباً على الطرفين , و الطريقة الذكية التي جعل بها من ثورته (الآمنة) هذه مثالاً لاسترجاع حق أكبر ، إيمان رائع يتجلى بشغف الحديث ، بالكلمات المُختارة للتعبير عن النفس , الذات , و الذاكرة .

و هنا تنجح كاتبة الفلم و مُخرجته في صنع قدر أعلى من المُعالجة الروائية يُمكن أن تتساوى مع تلك الغير روائية القائمة على حقائق مُسجلّة و موثّقة , بل تعمد الى ابتلاع قدر من الوقائع التي قد تبدو مُبتذلة عند الإكثار منها لتخلق حالة شغف تأسر كُل من يشاهدها و تُجبر من لا يهمه الأمر على الانصياع مع درجة عمقها و أسلوبية طرحها , التوحد مع فكر الشخصيات التي عايشتها , و أخيراً تسجيل واقع لم تخلقه أو تختلقه , فقط تحدثت عنه بوعي سياسي و جمالي حقيقي ليتنا نمتلكه يوماً .

إضافة للتلقائية الشديدة التي يفرضها طاقم التمثيل - لا أعرف إن كانت براعة أدائهم تعود الى قدرتهم على الارتجال أم الى البروفات المُتقنة التي لم تترك للصدفة شيئاً , أعتمدت دوفرناي على ميزان شديد الدقة بين حركة الكاميرا و إدارة هذه المجاميع جاعلة من لقطات المسير السلمي التي يتحدث عنها العمل صورة طبق الأصل مما سنشاهده في الشريط الوثائقي القصير الذي اختتمته به ؛ نحن لا نشعر بوجودها كـ (مُتفرج) بعيد و أنما كـ (شريك) يضع يده بيدهم , و لا نعود ندري إذا ما كانت تلك اللقطة (واقعية) أم (نسخة) مصورة من ذلك الواقع , و هذا كاف لإعطائنا حق امتياز صنع موقف من كُل ما يجري , و بأن (نكتشف) ما هو (مُخبأ) على رصيف الأميال الطويلة هذه .

و بالرغم من تقديري الشديد لقيمة العمل بُمجمله , فأن أبرز ما قد يضعه في مرتبة أعلى عن سواه من أفلام ذات تيمة مُشابهة هو قدرته الفعّالة في ربط المُشاهد بالحدث ضمن زمنه و بيئته , بأن يُشاركنا أهدافه بدلاً من أن يُملي علينا سُبل تحقيقها , و أن يتواصل معنا في كُل تفصيل صادر أو تعديل وارد على وجهته ؛ ضغط كبير أجاد صُناع هذا الفلم تحويله لطاقةٍ أيجابية في (توثيق) عمل سيُخلد للأسباب العديدة هذه .