الأحد، 1 فبراير، 2015

Foxcatcher

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : ستيف كاريل ، تشيننغ تيتم ، مارك روفالو
إخراج : بينيت ميلر (2014)

بينيت ميللر مخرج يعرف جيداً أهمية الإيقاع ؛ دوره و كيفية تكوينه ، يعرف متى يقطع بين لقطة و أخرى ، يعرف كيف يضبط زمن كل لقطة بميزان حساس جداً بحيث لا تبدو أطول أو أقصر مما ينبغي ، هذا الالتزام الصارم قد يضر الناتج الفني في النهاية ، لكنه مع ميللر يُضيف للحكاية و يُعطيها جماليات مُضاعفة .

في ترشيحات الأوسكار هذا العام استطاع ميللر خطف ترشيح لأفضل مخرج دون أن يتم ترشيح فيلمه نفسه كأفضل فيلم ، سابقة لا تحدث كثيراً و أثارت لغطاً مازال مستمراً ، بعد مشاهدة الفيلم أرى أن ما فعله ميللر هنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمر دون أن يتم إعطاءه التقدير الذى يستحقه ، الرجل يعرف كيف يحكي ، كيف يُخبئ تحت الحكاية الظاهرة تفاصيل تخلق حالة تأملية جميلة لدى من المُشاهد من فرط إتقانها و سحر إخفاءها .

روعة الفيلم هنا تكمن في التناغم العظيم بين الكتابة و الإخراج ، النص في النهاية لا يهتم بتطور القصة قدر اهتمامه بتطور الشخصيات نفسها وفقاً لما يريد النص في النهاية أن يقدمه دون أن يبدو مبتوراً أو مُفتعلاً ، بل يترك مساحة من الصمت و الهدوء تسمح للتفاصيل الصغيرة أن تتشكل و تأخذ حيزها في تكوين الشخصيات ، في اللقاء الأول بين مارك - المصارع الأوليمبى - و جون - الملياردير الشهير - يوافق مارك على عرض جون بعد اللقاء مباشرة رغم أن الأمور بينه و بين أخيه تبدو على ما يرام ، في مشهد سابق يقوم ديفيد فيه بتدريب أخيه مارك يبدأ المشهد هادئاً كأي تدريب تقليدي و ينتهى المشهد بنبرة عنف أو غضب خفية و يتلوه مشهد آخر لديفيد و هو يقوم بتوصيل مارك إلى منزله و يقوم بحضنه قبل توديعه ، في الظاهر الأمور على ما يرام بين الأخين و هي كذلك بالفعل و لكن هناك تحت السطح مشاعر أخرى مختفية ، ليست مشاعر حقد أو غضب و لكنها مشاعر ذاتية تُحرك شخصية مارك نحو رغبته في الاستقلال عن أخيه ، نحو رغبته في تحقيق انتصار قومي يجعل أمريكا فخورة به و هو ما يجد له سبيلاً سريعاً عند الملياردير الشهير .

بينيت ميللر لا يحاول إطلاقاً ملء المساحة التي يتركها النص صامتة و هادئة ، بل يُكثّف من الهدوء و الصمت ، هنا إحساسه بالإيقاع يتعاظم ، زمن كل لقطة و حجم كل كادر ، ترتيب اللقطات وراء بعضها ، يُنهى لقطة على إحساس بالهدوء و الصمت و يبدأ اللقطة التالية بصخب ، يبدأ المشهد هادئاً و ينتهي صاخباً ؛ ليس صخب صوتي أو ضوضائي ، بل صخب مُستتر فيه قدر من المشاعر و الأفكار لا يبدو أنها موجودة مثل مشهد التدريب أو المشاهد التي يلتزم فيها مارك بالصمت بعد موافقة أخيه على عرض جون ، تكوين شخصية جون هنا يتم بأقل قدر من الكلام ، بأقل قدر من الانفعالات النفسية على مستوى النص و الإخراج و الأداء التمثيلي ، النص لا يبدو أنه يحاول أن يوضح ماضي الشخصية ، النص يهتم بأثر ذلك الماضي ، التأثير المُمتد الذى يُزيد حالة العزلة و الرغبة في تحقيق نصر قومي يُخفى مقدار الحسرة و الوحدة لدى جون ، في مشهد بديع جداً يقوم جون - بعد وفاة والدته - بإطلاق سراح كل الأحصنة التي طالما أحبتها والدته ، في الظاهر هذا مشهد تحرر من الماضي و التخلص من قيوده ، لكن ميللر يعرف تماماً ماذا يريد النص أن يعطيه للمُشاهد ، الأحصنة خرجت إلى النور و جون يقف و ظهره إلى الكاميرا ليبدو كشبح في لقطة عظيمة تُكثّف الحالة النفسية لجون .

ليس من المُنصف الحديث هنا عن الأبعاد التي تمنحها التفاصيل المُستترة للحكاية الظاهرة لأنها قد تفُسد في النهاية متعة استكشافها على الرغم من سهولة الإحساس بها ، لكنها عادة ميللر في محاولته المستمرة في الـ 3 أفلام التي قدمها في هدم الحلم الأمريكي الزائف ، أو بمعنى أدق محاولة فهم حقيقته و هل هو زائف أم يستحق التضحية من أجله ، في بداية الفيلم هناك مشهد لمارك و هو يتحدث لمجموعة من الأطفال عن البطولات التي حققها و عن قيمتها المعنوية و الروحية و بجواره علم أمريكا حاضراً ، ينتهى الفيلم على مارك أيضاً - بعد أن تحول إلى ملاكم تقليدي في حلبات المصارعة - مُتقدماً للحلبة و الموسيقى في الخلفية بها نبرة جنائزية و الجمهور يهتف باسم أمريكا و ينتهي الفيلم بقطع حاد و مفاجئ على هذا الهتاف ، الأبعاد هنا لا تأخذ صيغة مُباشرة فجة ، بل تأخذ طابع ملحمي تأملي ! ، تعتمد أولاً و أخيراً على بناء الشخصيات و الفهم الحقيقي العميق لدوافعها و أثر ماضيها و حاضرها على شكل مُستقبلها .

المُتعة الإضافية التي يمنحها الفيلم هنا أنه قدم توليفة عظيمة متناغمة من الكتابة و التصوير و المونتاج و التمثيل بدون الاعتماد على عنصر دون الآخر ، الجانب التمثيلي هنا يُحلق عالياً ، ستيف كاريل يُقدم أحد أعظم أداءات العام ، تحول جذري ؛ شكلياً و داخلياً ، يمتص شحنة الوحدة و العزلة و الحسرة التي يمنحها النص للشخصية في الخفاء و يوزعها على ملامح وجهه و نبرات صوته دون أن يبدو أنه ينقل انفعالات أو مشاعر بل يبدو أنه يعيشها ، ليبدو أن من أمامك هو جون دو بونت دون أن يحاول أن يُبهرك بالمجهود العظيم الذى بذله ، مارك رافلو هو الآخر يلعب شخصية هادئة مُتزنة لا همّ لها سوى الاهتمام بشئون عائلته الصغيرة ، هو على هذا الصعيد عظيم ، يخلق نبرة صوت منخفضة رزينة لا قلق فيها و لا توتر ، لا تحمل سوى حنان و عطف على الرغم من إن المجهود البدني و الشكلي المبذول لتجسيد الشخصية عظيم ، لكن مارك رافلو قادر إنه يستحوذ على أو يوجه اهتمام الجمهور ناحية ما تُمثله الشخصية و ما تحمله بداخلها من شحنة أحادية الاتجاه من الحنان و الاهتمام فقط بعائلته و أخيه الأصغر ، براعة بينيت ميللر تتجسد أيضاً هنا في اختياره لتشانينج تيتوم ، الاختيار في حد ذاته غريب و صادم و مفاجئ و قد يحول الاهتمام بالكامل له دون الالتفات للجماليات الأخرى التي يحملها الفيلم ، براعته تتجسد أولاً في مقدار الصدق الذى استطاع أن يخرج به من ممثل متواضع و محدود الإمكانات مثل تشانينج ، ليبدو في النهاية أنه الاختيار الأمثل لتجسيد شخصية صعبة مثل شخصية مارك بما تحمله من صراعات داخلية يحتاج تجسيدها إلى هدوء خارجي و فوران داخلي و تشانينج كان بارعاً في الحفاظ على تلك الصورة الثنائية ، ثانياً ميللر بارع في قدرته على توزيع قدر معين من الاهتمام تجاه أداء تشانينج للشخصية ؛ قدر لا يبتلع الشخصية نفسها و لا يحجب الضوء عنها ، يمحي تماماً صورة النجم  التي يجسدها الممثل فى الواقع و يطبع الشخصية بما تحمله من انفعالات و صراعات داخلية على الممثل شكلاً و مضموناً .

بينيت ميللر يقدم - في رأيي - فيلمه الأجمل على الإطلاق و أحد أجمل و أهم أفلام العام ، يبدو أسلوبه هنا أكثر تناغماً مع المساحات و التفاصيل التي يتركها النص خفية و تحت السطح ، إنجاز إخراجي فخم استحق عنه جائزة الإخراج في مهرجان كان .