السبت، 31 يناير، 2015

Pyaasa

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : مالا سينها ، جورو دوت
إخراج : جورو دوت (1957)

"عالم يعبدون فيه الأموات ، عالم حيث الموت أرخص من الحياة ، ما يفيد المرء إن كسب عالم مثل هذا ! ، هذا عالم ينتمي إليكم ، احتفظوا به !"

رصيد جورو دوت السينمائي ثمانية أفلام فقط كمخرج ، فيلمان فقط إن بدأنا العد من بعد امتلاكه المال اللازم لصنع الأفلام التي يحبها حقاً ، لكن خلط الكحول مع العقاقير تسبب في وفاة / انتحار مخرج شاب عبقري آخر ، على غرار فيلمه هنا كانت شهرة الفنان تأتي فقط بعد الموت ، فلم يلقى اهتمام عالمي ونقدي مناسب سوى لاحقاً ، وبعد موته بسنوات صار للفيلم متحمسين ، وصار له طائفة كبيرة في فرنسا وألمانيا .

فيلم (ظمآن) غنائي تراجيدي ، لكن التراجيديا الخاصة به ليست تقليدية بالطبع ، حيث يصنع دوت الخلطة البوليودية الأكثر كمالاً ، يجمع ما بين التسلية والفن ، الجماهيرية والمستوى ، لكن في فيلمه الآخر والأخير لن يُقابَل بالترحيب الجماهيري ، مما جعل المخرج متشائم بشدة من مجرد توقيعه باسمه على أي فيلم تقوم به شركة الانتاج التي اسسها ، فشل زواجه في مقابل تعلقه بحب الممثلة وحيدة رحمان – سيناريو مشابه لفيلمه الأخير – ولأنه "رجل لا يستطيع هضم الفشل" كما يقول صديقه الممثل ديف أناند ، يجعل من الانتحار الفرضية الأكثر اقناعاً .

في الفيلم ، الذي ينعم بقدر وافر من الجمال الشعري بصرياَ وموسيقياً ، نجد دور النشر ترى فيجاي شاعر مجنون لكتابته الشعر عن البطالة ، بينما العامة يرونه مجنوناً لأنه شاعر ، اخوته يعاملونه بقسوة لأنه لا يعمل ، رغم كونه حاصل على مؤهل جامعي ، الفيلم يرصد ملامح التغيرات السياسية والاجتماعية عن هند ما بعد التحرر ، وضوح الرصد لابد منه ، ولا يمكن جعله أكثر غموضاً ، الراقصة تُجْبَر على الرقص ، بينما طفلها الرضيع يصرخ ، الشاعر الذي يراقب كل هذا ، لا يجد حلاً سوى الغناء متسائلاً "من هم الفخورون بتلك الأرض حيث يوجد كل هذا الظلم ؟" الفيلم يهبط بنا بين الفقر وغياب الكرامة ، بين الجشع وغياب الإنسانية .

في المقابل هناك خيط رومانسي شديد الغموض ، بين الحب السابق للشاعر والحب المفترض الجديد ، حبيبته السابقة أنانية مترفة ، اختارت الراحة ولم تختر الحب ، يمكن – بسهولة – إدراك أنها ليست سعيدة بالاختيار ، بينما الحبيبة المحتملة الجديدة فتاة ليلة متفانية ، لم تكترث لنفسها من أجل افتداء ذكرى من تحب ، وإن كنا لم نعرف حقاً إن كان الشاعر يبادلها الحب .

فتاة الليل الحقيقة – التي تم بناء الشخصية عليها – تم استخدام عبارتها حرفياً حيث تقول أنها تُعامل لأول مرة باحترام عوضاً عن الإساءة ، جورو دوت – مثل دراير – يرغب في رفع الظلم عن المرأة المظلومة ، وإن لم يجعلها مثل الدنماركي في الصدارة ، لكنها صاحبة مكانة مميزة ، الصدارة كانت للفنان المظلوم بدوره ، عاكساً شعور المخرج نفسه ، ومدى رغبته في توجيه غضبه للعالم ، إذاً هو لا يشترك مع فاسبندر في النهاية المأساوية فقط .

قسوة المجتمع والبشر جعلت من الشاعر منبوذاً ، ثم بعد أن اعتقد الجميع بموته منتحراً ، صارت قصائده مقدسة ومحبوبة ، لكنه عاد من جديد بعد الموت المزعوم لينكر العالم الذي أنكره ، الفيلم لا يهدف إلى إشعار مشاهده بالتعاطف ، وإنما بالخجل ، الفيلم ليس واقعي ، وإن كانت مشكلته مع الواقع ، اسم الفيلم (ظمآن) يُرجّح ظمأ الشاعر للحب والخير والعدل ، ثم صدمته وامتلاءه بحيث لم يعد ظمآن ، ويتركنا الفيلم في النهاية حتى نتساءل من الظمآن الحقيقي المجتمع أم الشاعر ؟ ، وهل يشترك الاثنان في نفس القيمة التي يشعران بالظمأ لها ؟ ، اختلف المخرج مع الكاتب حول النهاية ، انتصر المخرج – لحسن الحظ – برفض الشاعر للعالم المادي المنافق ، في مقابل فكرة الكاتب لبعض المداهنة ومحاولة الصلح بين العالم والشاعر ، لكن المخرج هُزم – لحسن الحظ – في معركة أخرى مع الموزعين ، هل ينبذ الشاعر العالم وحيداً أم مع فتاة الليل التي احبته ؟

الشخصية الثانوية الكوميدية الإجبارية منعت سيطرة المزاج شديد الكآبة للفيلم ، رغم أن هذا – في رأيي – كان يمكن تجنبه ، لكن تلك الشخصية – على الرغم – منحت الفيلم أغنية لا تُنسى ، أغاني وموسيقى الفيلم جديرة بمنحه الدرجة التي يستحقها بين نظرائه ، بالإضافة إلى أغنية شهيرة أخرى بصوت المغني الهندي الكبير محمد رافي و جيتا دوت زوجة المخرج ، الجدير بالذكر أن الرجل الذي بدأ مسيرته كمصمم رقص حين أصبح مخرج لم يُقحِم رقصات في فيلمه .

جورو دوت في فيلمه الذي يُخرجه ويُنتجه ويُمثل – مضطراً – دوره الرئيس ، يستخدم اللقطات المقربة بشدة من وجوه ممثلين قاموا بأداء جيد ، وممثلات لهن نظرات قاتلة وعيون واسعة جميلة ، وصاحبات أداء جيد كذلك ، كما استخدم المخرج الفلاش باك عند العودة للحب الضائع ، الشيء الملفت كان حركة الكاميرا الانسيابية ، ما بين القرب والبعد ، والمزج بينهما ، حركة الكاميرا العلوية تدين بالفضل لما تعلَّمته من مواطن (ويلس) .

الطفل جورو دوت كان معتاداً على تقديم عرض خاص ليلاً لعائلته الصغيرة ، مستخدماً أصابعه والظلال ، لذا كان مفهوماً كيف أصبح استخدام المخرج – الشغوف بالسلويت والإضاءة الخافتة – للضوء والظلال شديد الإبهار ، خاصة مشهد رجوع الشاعر من الموت ، حيث الكاميرا تتحرك بدون توقف لكن بدون تسرع ، مشهد آخر يعلن فيه الشاعر لحبيبته السابقة بإنسحابه بعيداً عن كل هذا النفاق ، فتحيط هالة برأسه ترمز لكونه مسيحاً أو قديساً ، مشاهد تم تنفيذها بالكثير من الحساسية ، الكثير من الشعر .