الخميس، 5 فبراير، 2015

A Most Violent Year

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4/5

بطولة : أوسكار إيزاك ، جيسيكا تشاستين
إخراج : جي سي شاندور (2014)

كُل شيء في فلم جي سي شاندور الثالث يوحي بأننا في حضرة بعض أفضل أفلام الجريمة السبعينية و بين يديّ أفضل صانعيها , فهو يُقدم سينما أمريكية تقرأ بين السطور , بطلها يتوارى في خلفية حدث يصقل شخصه الذي سيكون عليه , و حدثها يتم التعبير عنه بشكل رمزي خافت في ظل حقبة ستقوم بصنعه ! ، المُخرج الأمريكي المُهم يكشف عن جرأة قليلة المثيل في تقديم سينما لا تنتمي لزمنها كما هي , ينهل من خبرات أفضل من قدمها فيها - كوبولا و لوميت - دون أن نلحظ اشارة واضحة أليهم , و يُجبرنا على مُعايشة (أزمة) دون أن يتحدث عنها , (خطر) عديم الوجه يظل جاثماً على الحبكة طوال الوقت , و (أمل) موجود و غير موجود , أو الأفضل - كما يوحي الفلم - ألاّ يكون موجوداً حتى نشعر بمأساوية الأمور كما نراها على الشاشة .

هذا الفلم يُعطي صانعه فرصة التعبير مرة ثانية عن الوجه الآخر للاوعي الأمريكي في صُنع الذات , يعرض الصورة الحقيقية للسلطة المُتنازع عليها و النجاح المرهون بصراع مثير للرعب ؛ فقط أن شاندر - و بعد ثلاث سنوات على رؤيته الأستثنائية لعالم المال و صلاحية تحصيله في شارعه الأكثر أزدحاماً بالتحديات في Margin Call - يكتفي بعرض وجهة نظر واحدة فقط عن إحدى سمات الشخصية الأمريكية , على المستوى الفردي و الجماعي ، الاقتصادي و الاجتماعي , السياسي و الأخلاقي , هي أكثر هيمنة و امتداداً من سابقه : رأي رجل الأعمال الذي أصبح يُعاني من (أزمة) وجودية في ظل وجود (خطر) الطموح المُحدق بعمله و عائلته معاً ، شاندر , من بين قليل , يملك تلك القدرة التي يدعم فيها عمله الإخراجي النص الذي كتبه للشاشة بشكل كبير ، و كما هو عليه الحال في عمليه السابقين , يتميز في تشريح بارانويا الشخص المُطارد من قبل ماضيه , المُحاصر في حاضره , و المُراهن على المُجازفة في سبيل صنع مُستقبل أفضل .

هذا ليس فلم (عنيف) - كما قد يوحي عنوانه - بل هو عن سبر (العنف) , مولّداته المُثيرة للجدل و نتائجه غير مأمونة العاقبة , عن ذلك الفعل الأعمى المُستتر تحت جلد كُل واحد منا و مُفاجأة ظهوره التي قد تُعمي الجميع ؛ ضمن منظومة الشخصيات التي يُقدمها شاندر تتبلور هذه الفكرة و تدرك مغزاها بشكل كامل , و ضمن الأسلوب المُتأني في التغلغل بين أوصالها , يُقدم المُخرج شخصيتيه الأكثر أثراً حتى اليوم : (جيسيكا تشاستين) في تجسيد مُعاصر لصورة الليدي ماكبث ببرودة الدم الذي يجري في عروقها و العقل الماكر الذي صنعه لها ماضيها , و (أوسكار أيزاك) في دور الزوج الذي لن يخرج من قفص المُقاربة العادلة مع مايكل كورليوني , فقط أن عرّاب الأول هو شيطانه الذي لم يظهر بعد !

بالنسبة لشريط يحترق ببطء و يُزيد حرقة مُشاهديه لمعرفة الحدث التالي , هذا سيناريو مضبوط الإيقاع , مصنوع بدقة هندسية في رسم شخصياته , مُباشر في كتابة حواراته , و موفق في تأليفها معاً ضمن إطار بصري أخاذ و مشاهد كامنة القوة ترفع برادفورد يونغ , مُدير التصوير , عدة مراتب عن أقرانه الذين حملوا الكاميرا مؤخراً و تضع جي سي شاندر كأحد أهم السينمائيين الأمريكيين منذ بدء الألفية .