الأربعاء، 7 يناير، 2015

Zodiac

كتب : عماد العذري

التقييم : 4.5/5

بطولة : جيك جيلنهال , مارك روفالو , روبرت داوني جونيور
إخراج : ديفيد فينشر (2007)

فيلم الإثارة العظيم هو الفيلم الذي يستطيع أن يوجد لنفسه مساحةً جديدةً تجعله مثيراً للجمهور في كل مشاهدة ، و هذا هو حرفياً ما حدث معي في مشاهدتي الثالثة للفيلم يوم أمس ، و لو استثنيت فيلمه السينمائي الأول فإن Zodiac كان دائماً أبعد أفلام فينشر عني بالرغم من اقراري بقيمته و رفعة صنعته ، في المشاهدة الثالثة تحديداً تغير هذا الشعور إلى حدٍ بعيد .

نص جيمس فاندربيلت المقتبس عن كتاب روبرت غراي سميث Zodiac يسرد على مشاهديه القصة الكاملة لإحدى أكثر جرائم القتل التسلسلية إثارة لحيرة علماء و أخصائي الجريمة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث , قصة القاتل التسلسلي الأشهر زودياك الذي روع قاطني و مرتدي خليج سان فرانسيسكو والساحل الغربي كله بمجموعة من جرائم القتل التسلسلية الغامضة في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي , ولم يخلف وراءه سوى رسائل مرمزة و اتصالٍ متلفز و الكثير و الكثير من الحيرة : لا دليل , لا قاتل , لا مجال لإستمرار ملف القضية مفتوحاً .

منذ البداية يبدو الفيلم مثالياً جداً وفقاً لمعايير ديفيد فينشر , لا تخطئه العين منذ مشهده الافتتاحي الذي لا ينسى  بهدوئه الرومانسي , و عنفه الدموي , وتصويره الذي يطبعه في الذاكرة , فينشر ينجح تماماً في هذا المشهد في نقل كل مشاهديه إلى ساحة المعركة مبكراً جداً : هذا ما عاشه سكان الساحل الغربي في تلك الفترة : هدوء يسبق العاصفة ومجرم لا يراه أحد , و على مدار ساعةٍ تاليةٍ من العرض يستمر فينشر بالعزف على هذا الوتر بريشة مخرجٍ عظيم لا يتخلى عن استفزاز مشاهده بفضلٍ إثارةٍ غنيةٍ جداً يقدمها له و يجعلها تلامسه كل مرةٍ بطريقةٍ مختلفةٍ عن سابقتها , مع كل مشاهدة ازداد اعجابي بالعمل العظيم لفينشر كضابط ايقاعٍ هنا ، ذات الحدث شاهدته في ذات الفيلم و لثلاث مرات دون ذرة شعور بأن ضبط ايقاع الإثارة يفلت من فينشر ولو لثانية بالرغم من 160 دقيقة هي مدة أحداث الفيلم ، هذا التفصيل بالذات أصبح تخصصاً لا يوجد في هذا الزمان من يجيده أكثر منه .

على السطح يبدو الفيلم نسخةً من All the President' Men تتناول حكاية قاتلٍ متسلسل بدلاً من فضيحةٍ سياسية ، بين الفيلمين الكثير من المشتركات  و وراء كليهما نصان ذكيان و مخرجان يتفهما جيداً ما الذي يمكن أن يجذب المشاهد في حكايةٍ كتلك تستكشف المدى و التأثير الذي يمكن أن يبلغه اطلاق العنان لأنف الصحفي في القبض على الحقيقة ، يتظافر جهد النص و براعة الإخراج في تشكيل حالة الغموض التي تلف الحدث بصرياً ، التوازي الدائم بين المشاهد الليلية للجرائم و المشاهد النهارية للنقاش حولها و التحقيق فيها ، يخلقان ذات الرهبة التي عاشها صناع الحدث في حينه ، يخبرنا النص منذ البداية أنه لا يتفوق علينا في شيء ، لا يعرف شيئاً لا نعرفه ، الحدث الذي يقدمه مجهول التفاصيل ، و مريب ، و مشوش ، و استحواذيٌ أيضاً ، و فينشر يتماهى معه في ذلك و لا يخذله محولاً فيلمه إلى لغزٍ تتكشف تفاصيله مع تقدم الحدث بصورةٍ قد تفقده العمق الحقيقي الذي يقوم عليه في تناول رحلةٍ استحواذيةٍ سيطرت على ابطال الحكاية لأكثر من عقد .

علاوةً على ذلك يراوغ النص الصورة النمطية لأفلام النوع ، و من النادر أن يعمل فيلم التحقيقات تحديداً بعيداً عن ذلك الكم الوافر من الكليشيهات التي التصقت بالنوع ، النص يلعب عملياً خارج القضية نفسها ، في المساحات شبه الفارغة التي لم يفكر أحدٌ ربما في التعامل معها بذات الكيفية ، الشخصيات هنا لها عالمها الخاص ، و اهتماماتها البعيدة عن الحكاية ، الحدث ذاته يتطور نفسياً بصورةٍ لا تتماشى مع كليشيهات الصنف التي لا تستطيع تجنب الإنزلاق من الغموض نحو الأكشن ، يكتفي بالتعامل مع الحدث كدراسةٍ نفسيةٍ في الأساس : غموض زودياك للجمهور ، ثم الخوف منه ، ثم الإختلاف حوله ، ثم إدعاء معرفته كسبيلٍ ربما للإطمئنان له ، قبل الإستسلام للحيرة الصماء لسنواتٍ و سنوات ، كل ذلك يحدث دون مطاردةٍ حقيقية ، دون أكشن أو اشتباكات ، يجرد فاندربيلت و فينشر فيلمهما من أكشن الجريمة ، يحترمان حقيقة أن هذه القضية كانت لغزاً و لا يغريان المشاهد ولو قليلاً في توقع أن تذهب أبعد من إطار اللغز الذي كانته ، مفاجئات الحدث ناعمةُ التقديم ، صادمة النتيجة ، تجعل المشاهد يشعر بأنه جزءٌ من نسيج الحكاية يهمه فك طلاسمها أكثر من مجرد اهتمامه بالمشاهدة .

في العمق ، هذا فيلمٌ عظيمٌ عن الشغف ، و هذا تحديداً ما يبقى وراءه بعد مرور سنواتٍ على مشاهدته ، و برأيي هو شيءٌ عظيم أن يبقى في فيلمٍ من هذه النوعية تحديداً ، لطالما ارتبط الشغف و الهوس بأفلامٍ الدراما و الرومانس و الموسيقى و الرياضة ، لكنه من النادر أن يجيد الإرتباط بفيلم جريمة ، هو تماماً مثل Memories of Murder ، رائعة جون هو بونغ الذي يصف فيلم ديفيد فينشر هذا بـ (التحفة) ، الفيلم – كما سلفه الكوري - أعمق من أن يجعل من إثارة أحداثه – بالرغم من عظمة كتابتها و تنفيذها – وسيلةً دائمةً للإستحواذ على المشاهد ، ينظر بعمق - على مدار سنواتٍ طوال هي عمر قضية زودياك - في حجم الشغف و الإستحواذ الهوسي الذي سيطرت به هذه القضية – في مراحل زمنيةٍ مختلفة – على حياة ثلاثة رجالٍ ارتبطوا بها ، المحقق ديف توسكي الذي أوكلت إليه ، و الصحفي بول إيفري الذي تحرر من رسمية رجال القانون ليقوم بأبحاثه و تحرياته الخاصة و يصبح بحد ذاته هدفاً من أهداف زودياك قبل أن يتخلى عن كل ذلك بتقادم القضية ليصبح مدمناً على الشراب و المخدرات ، و رسام الكاريكاتير روبرت غراي سميث الذي استنزفته القضية البعيدة تماماً عن اختصاصه لتحيل حياته إلى سلسلةٍ لا تنتهي من الأحاجي و الأدلة على مدارٍ أكثر من عقدٍ من الزمان ، ذات الهوس ربما الذي أصاب كاتب السيناريو جيمس فاندربيلت تجاه تحويل هذا الكتاب الذي قرأه في مرحلة الثانوية و أراد أن يراه على الشاشة الكبيرة كما يجب أن يكون ، أو الذي أصاب ديفيد فينشر منذ أن سمع لأول مرة اسم زودياك من والده عندما كان طالباً في المدرسة الإبتدائية في سان فرانسيسكو يوم أخبره عن دوريات الشرطة التي تسير خلف باص مدرسته منذ أسبوعين ، أو الهوس الذي أصابهما معاً و حوّل فترة اعدادهما لهذا الفيلم والتي استمرت عاماً و نصف إلى رحلة تحقيق في الجرائم و الأماكن و التفاصيل تشبه تلك الرحلة التي خاضها أبطال الحكاية الثلاثة ، شخصيات الفيلم الثلاثة – و في مراحل مختلفةٍ من القضية – تدرك حجم الشغف الذي قادها في التعامل مع القضية و مقدار الهوس الإستحواذي الذي استحال إليه ، إيفري يعلم عن مئات الجرائم التي حدثت بينما هو يطارد رجلاً لمجرد أن لا أحد يعلم عنه شيئاً ، توسكي يعترف لغراي سميث بحدوث أكثر من مئتي جريمة قتل في فترة الأعوام الثلاث التي صمت فيها زودياك بينما استلذوا هم بمطاردته ، إيفري يسأل غراي سميث في بدايات القضية (ماذا تريد من ذلك ؟) ، فلا يجد غراي سميث جواباً ، ذات السؤال الي تسأله إياه زوجته في الذروة فيخبرها أنه يقوم بما يقوم به (لأنه لن يقوم به أحدٌ آخر) و هي عبارةٌ تضرب في صميم خصوصية الشغف الذي لا حدود له و لا تفسير حقيقي له ، غراي سميث نفسه يختزل غايته البسيطة / الممتنعة في تفسير ما أصابه (أحتاج لأن أعرف من هو ، أحتاج لأن أقف هناك ، أحتاج لأن أنظر في عينيه و أتأكد أنه هو) ، و هي الغاية التي تجعل من وقوفه هناك في المستودع أواخر الفيلم ينظر في عيني آرثر لي آلن نظرة انتصارٍ وهميةٍ فيها الكثير من الضياع و التشويش بين ما تحرضه المشاعر و ما تتطلبه الأدلة .

و بين المشاعر و الأدلة يضيف نص فاندربيلت عمقاً آخر لشخصياته ، يترك مساحةً ملموسةً للمشاعر و الأحاسيس تتدفق من خلالها بنعومةٍ وسط عالمٍ كل ما فيه يقوم على الأدلة ، تطارد شخصياته الثلاث هواجسها بمقدار ما تطارد اللغز ، يخبر توسكي رئيسه في العمل عندما يقترب كثيراً من حل غموض القضية ثم يفشل (أتدري ما هو أسوأ ما في الأمر ؟ ، أنني لا أستطيع أن أحدد ما إذا كنت قد تمنيت أن يكون آلن هو القاتل لأنني اعتقدت أنه هو أو لأنني أردتُ أن ينتهي الأمر فحسب) ، قبل أن نشاهده يجلس لاحقاً مع غراي سميث في مشهدهما الشهير قرب الختام يسترجعان سيناريو القضية كلها ، يحدثه غراي سميث عن رأيه (لا أسألك كشرطي) ، فيرد توسكي (لكنني شرطي ، لا أستطيع اثبات هذا) ، طوال الفيلم تتصارع الشخصيات داخلياً بين هوسها بالحدث و أحاسيسها تجاهه و بين انتماء الحدث إلى عالمٍ لا يؤمن إلا بكل ما هو قطعيٌ و مثبت ، الهوس الذي يختزله غراي سميث في رده على جواب توسكي (مجرد أنك لا تستطيع إثباته لا يعني هذا بأنه ليس صحيحاً) .

في المشاهدة الثالثة كان لا بد  أن يزداد تقديري للعمل كما حدث في مشاهدةٍ تلفيزيونيةٍ سابقة ، مرةً تلو أخرى يعزز فينشر بالتقادم بصمته التي لا تخطئها عين و عظمته في خلق إيقاعٍ داخليٍ و خارجيٍ لفيلمه ، و براعته التي اتضحت ابتداءاً من هذا الفيلم تحديداً في ترسيخ بصمةٍ بصريةٍ خاصةٍ أوجدها في Se7en و Fight Club قبل أن يلصقها به تماماً مع Zodiac ، هوسه بالإضاءة الداخلية الخافتة و مقدار الخصوصية التي يضفيها على جميع المشاهد التي توظفها ، إستخدامه المتكرر للقطات الجانبية المنخفضة التي فيها من الفضول بمقدار ما فيها من التلصص ، و امتيازه الواضح هنا في منح وحدةٍ بصريةٍ لمشاهد تنفيذ كل جريمة بما يمنحها خصوصية قاتلها المتسلسل ، و في الوقت ذاته لا يحرمها من حضورها الخاص ، تشعر هنا أن جميع مقطوعات الجرائم في الفيلم هي شيءٌ مختلفٌ عن نسيج الفيلم البصري ، شيءٌ ننتظره كمشاهدين كما تنتظره الشخصيات ذاتها ، و بالتأكيد عملٌ مونتاجيٌ يستحق رفع القبعة .

و بالرغم من حاجزٍ يبقيني على مسافةٍ مع الأداء الإنفعالي الذي يقدمه روبرت داوني جونيور لشخصية بول إيفري ، و أمنيةٍ راودتني في المشاهدتين الأخيرتين بشريط صوتٍ يضع عليه أتيكوس روس و ترينت رازنور بصمتهما العظيمة التي منحت أفلام فينشر الثلاثة الأخيرة جمالاً على جمالها ، و تفاصيلٍ صغيرةٍ تناثرت هنا و هناك و أثرت - ولو قليلاً – على حس الإتساق الزمني للحدث ، يبقى هذا واحداً من أعظم أفلام التحقيقات على الإطلاق .