الخميس، 8 يناير، 2015

Chungking Express

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : توني ليونغ ، بريجيت لين ، تاكيشي كانيشيرو
إخراج : وونغ كار واي (1994)

هُناك تفضيل شخصي أحمله بداخلي تجَاه الأفلام التي تتحدَّث عن الوحدة والعُزلة والذاكرة وتجارب المَاضي الي تنهَش في لحظات الحاضر ، ويزداد هذا الأمر بريقاً ووضوحاً اذا ظهرت قيمَة للمكان في الحكاية ، وفيلم وونج كار واي هذا واحد من أفضل ما شاهدت ضمن هذه النوعيّة .

يعرض الفيلم قصّتين ، القصّة الأولى تعرض قصّة الشرطي 223 الذي ينفصل عن حبيبته بعد علاقة دامَت خمس سنوَات ، حبيبته تركته في بداية شهر ابريل فاعتقد ان ذلك هو كذبة ابريل ، وترك لها فرصة للعودَة شهراً كاملاً حتي عيد ميلاده (1 مايو) وطوال تلك الفترة كان يأكل مأكولها المُفضل وهو مُعلّبات الاناناس ، على الجانب الآخر نري قصّة امرأة شقراء تنخدع في عملية مُخدّرات ويحّذرها زعيمها ويتيح لها مُهلة حتي الأوّل من مَايو أيضاً ، النَص هُنا يخبرنا أن الحكاية الرئيسيّة ليست مُهمّة لكلا الشخصيتين ، المُهم هو أن هُناك تاريخ و مكان سيجمعان بينهما ، تجتمع الشخصيتان في حَانة ، يحاول الشرطي أن يتواصل معها بشتّي الطُرق فتطلب منه أن يقوم بتوصيلها الي مكَان ترتاح فيه ، يقضي الليل بجانبها ، ويرحل . فتستيقظ وتترك له رسالة ، تقتل زعيمها ، وترحل هي الأخرى ، نموذج عَظيم ومثالي جداً للثنائيّة الأزليّة (الوحدة / الاحتياج للآخر) .

في القصّة الثانية يعرض كارووي قصّة الشرطي 633 وأيامه الأخيرة في علاقة الحُب التي تجمَع بينه وبين مُضيفة طيران ، يهتم جداً بالتفاصيل اللازمة لإقناع المُشاهد بمدي تأثّره برحيلها ، مُخاطبته للُقماشة المُبتلة والصابونة و حديثه للدمى ، وعلى الجانب الآخر هُناك الفتاة فاي التي تقع في حبّه وتتسلل الي شقّته ، تبحث عن شعر امرأة وتغار سرّاً ، فيكتشف هو الأمر ويدعوها للخروج ، لا تذهب معه وتعود بعد عام في ملابس مُضيفة طيران وتجده هو يستمع الى الأغاني المُفضلة لها في مُفارقة جميلة .

وونج كارواي هُنا يصنع فيلماً عن الحُب النقي ، وعن الحاجة للآخر ، تلك الناتجة عن قسوة الحيَاة ومُغادرة الأقربين ، وعن المشَاعر التي تظهر في داخلنا ، تسيطر علي دواخلنا حتي تصعد الي السَطح ، فتلتهم كُل ما يظهَر أمامها ونجدها أكبر بكثير ممّا كنا نتصوّر ، ماذا يهم لو كانت قصّة الحُب ستجمع بين شُرطي ومُجرمة ؟ المهم طبيعَة المشاعر نفسها ومَدي مُفاجآتها ، لا يهتَم الرجُل برسم منطق لأي حدث يقع ، وانما يهتم بالنتيجَة وتأثيرها علي شخصيّاته ، يزرع العديد من التفاصيل في الحدث ويجعل للمكان شخصيّة في الفيلم ويساعده في ذلك كاميرا كريس دويل الحيويّة جداً .

الفيلم الثالث في مسيرة وونج كارواي هو فيلم عظيم ، وثمار تأجيلي لمُشاهدته طوال ثلاث سنوَات كانت شهيّة ، شهيّة بحق .