السبت، 24 يناير، 2015

Winter Sleep

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 5/5

بطولة : هالوك بيلغينر ، ميليسا سوزن ، ديمت آكباغ
إخراج : نوري بيلجي جيلان (2014)

هذا العمل يحمل خلاصة روح نوري بيلجي جيلان ، خلاصة حبه للسينما ونظرته للحياة ، خلاصة روحه لأن تقريباً كل تفصيلة من تفاصيل الفيلم تحمل شيئاً منه ، بداية من بطل الفيلم المثقف ، تلك الطبقة التي ينتمي إليها جيلان في الحقيقة ، وأيضاً علاقات ذلك الرجل بمن حوله ، تلك العلاقات التي لم يكف جيلان عن تحليلها منذ فيلمه الأول ، سواءً العلاقات الأسرية أو مع المرأة في حياته أو بالأشخاص ممن حوله في العموم ، ستجد أيضاً شخصية ذلك الشاب الذي يقوم برحلة بدراجته النارية ، تلك الرحلة التي قام بها جيلان بالفعل في شبابه ، كما ستجد التأثر بأدباء أفصح جيلان من قبل عن تفضيله لأعمالهم كتشيكوف وتولستوي وديستوفسكي - حتى بوستر الفيلم مستوحى من غلاف الرواية الأولى لديستوفسكي.

خلاصة حبه للسينما ستظهر منذ أول كادر وحتى نهاية الفيلم والذي يظهر فيه وبشدة بداية علاقة جيلان بالكاميرا كمصور فوتوغرافي والتي تظهر هنا في جمال كل لقطة تلتقطها الكاميرا ، توزيع الإضاءة ، تفاصيل الصورة ، ليس فقط ذلك وإنما روح عظماء السينما الذي يعترف جيلان دوماً بحبه لهم وتأثره بهم ، وإن كانت ذلك التأثر قد ظهر في أفلامه السابقة فإنه في هذا الفيلم قد تجلى وسيطر على روح الفيلم كاملة ، ستجد هنا تاركوفسكي و بيرجمان و أوزو ، ستجد أيضاً هنكه و بيلا تار و لارس فون تريير ، الفيلم فيه تقدير لا يمكن إغفاله للسينما ولصناعها وإن كان ذلك بشكل غير مباشر إلا أنه سيضيء مناطق في عقلك لأفلام شاهدتها من قبل طوال مدة مشاهدتك للفيلم.

بطل الفيلم عايدين هو أكبر تجسيد لذلك المثقف الذي يعيش بالأعلى في برجه العاجي ، والتشبيه هنا ليس مجازياً وإنما بالفعل جيلان جعل منه كذلك ، معنى اسمه بالتركية : المثقف ، وهو شخص يعيش في مكان مرتفع منفصل عمن حوله ليس له علاقات سوى مع زوار فندقه القليلين وكتبه ومقالاته إلا أنه لا يكف عن إصدار الأحكام متحدثاً دوماً عن القيم والأخلاق والضمير الذين اختفوا بينما سيطر الفساد وانتشر النفاق ، هذا وهو لا يحتك بأحد ولا يتحدث مع أحد طوال الفيلم سوى المقربين منه ، حتى أرضه وأموره المادية يتركها لرجاله ليعتنوا بها ، أيضاً على الرغم من أنه غني ويُعتَبَر من أهم رجال منطقته إلا أنه لم يهتم بأمر التبرعات أو الاصلاح سوى من خلال رسالة جاءته على بريد قرائه على الرغم من وجود مجالات كثيرة لذلك من حوله ، تجد في شخصية عايدين جُبن وعِند مغلف بطبقات معقدة من التنظير الذي يبرر بها نفسه ، جُبن متمثل في امتناعه عن مواجهة العالم - و ربما أيضاً مواجهة نفسه - فهو يكتب في جريدة صغيرة ، لم يُكمِل مسيرته الفنية واعتمد على أموال أبيه ، أيضاً عدم مواجهته لسكان بلدته واتخاذ رجاله كحاجز بينه وبينهم ، جيلان يحكي عن طبقة النخبة ، المثقفين ميسوري الحال ويشرّحهم ، يقوم بنقدٍ ذاتي للطبقة التي ينتمي هو إليها ، لذا كان تعبيره عنها في منتهى الصدق والحساسية والصدمة التي يخلقها لدى مشاهديه ، لم يسلط فقط جيلان كاميراه الناقدة تلك على عايدين وإنما أيضاً على أخته والتي تعد المعادل الأنثوي له ، المثقفة الغنية التي تختلق وتتبنى نظريات أخلاقية ولكنها في نفس الوقت لا يوجد مجال لتطبيقها ، حتى وعندما أُتيح هذا المجال - الخادمة التي كسرت أكوابها المفضلة - لم تقوم بتطبيقها بل انفصلت عن الموقف بل وأخذت تحكي عن تطبيق النظرية مع زوجها الغائب الذي تسبب لها بالأذى ، وكأن جيلان يحكي هنا عن انعدام وجود عامل تستطيع أن تحكم به أو تتوقع تصرفات الانسان ، ستجد الازدواجية والعِند غير المبرر والتساهل غير المتوقع وستجد رفض الانسان لسماع ما هو مخالفٍ لرأيه ، هذا التناقض في الطبيعة الانسانية والذي يبرز بشدة في طريقة تعامل الشخصيات مع بعضها ، مثلاً كمشهد مقابلة والد الطفل الذي كسر زجاج النافذة ولأنه شخص عنيف ذو نظرات قوية كان السائق يخاف منه على الرغم من أنه صاحب حق ، إلا أن هذا الخوف يختفي ويُستبدل باحتقار حين يتم التعامل مع أخيه إمام المسجد المبتسم دوماً الذي يحاول استرضائهم ، أو مشاهد مدير المدرسة الذي يغير منه عايدين والذي يتعامل باستعلاء وهو وسط أفراد جمعيته إلا أن ذلك يختفي تماماً أمام سطوة عايدين حينما يكونا بمفردهما ، الفيلم يعبر بقوة عن تصرفات الانسان بهوائية تبعاً لما يتفق معه أو ما يرتاح إليه حتى وإن قال ما هو عكس ذلك ، ذلك ذكرني كثيراً بالسداسية الأخلاقية لإريك رومير في مناقشتها لدوافع البشر وبالذات الفيلم الرابع منها
La Collectionneuse .

جيلان أيضاً استطاع في الفيلم أن يعبر بقوة عن طبقات الثقل والازعاج الموجودة في العلاقات بين البشر ، حتى وإن كان ذلك من خلال تفاصيل صغيرة إلا أنها مكثفة وقوية ، مثلاُ كمشهد الإمام الذي يرتدي الحذاء النسائي ، أو الصمت الموجود بين عايدين وزوجته ونظراتهم المختلسة وتلصصه عليها ، أو من خلال مشاهد قوية كبيرة كمشاهد الحوار سواء مع زوجته أو أخته ، تناول جيلان تلك الشروخ التي تتكون بين البشر في علاقاتهم وتظل تكبر وتتضخم حتى تصبح أخاديد عظيمة تبتلعهم بداخلها ، أخاديد تنتظر الفرصة المناسبة للتعبير عن نفسها وعن المزيد من الانزعاج والمشاعر المكتومة التي لا يكفي الصمت للتعبير عنها ، لذا كانت مشاهد الحوار مهمة للغاية والتي تعد حدثاً جديداً في سينما جيلان الصامتة في أغلبها ، حيث أن الصمت في هذا الفيلم كان معبراً عن وجود تلك الأخاديد إلا أن الكلام كان مهماً لاستكشافها ومعرفة أسباب وجودها ، بعيداً عن أهمية تلك المشاهد يجب الوقوف هنا أمام عظمة الحوار الذي كتبه جيلان وزوجته للفيلم ، كيف كان ذكياً ، معبراً بصدق سواء بشكل مباشر أو ملتف ، وكيف كان الحوار مستهلِكاً منهكاً ، سواء للشخصيات أو لمتابعي الفيلم ، حَفْرِه في أعماق هذه الشخصيات كان وكأنه رحلة تطهر ولكن لا يعقبها راحة كالمعتاد وإنما انزعاج يشبه ذلك الذي يحدث بعد فتح جروح لم تشفَ بعد ، حتى لغة الجسد أثناء تلك الحوارات الطويلة اهتم جيلان بإبراز التعب والإنهاك عليها ، في أغلب الأوقات لم تكن الشخصيات في مواجهة بعضها وإنما في خطين متوازيين يضطر أحدهم للالتفاف والجلوس في جلسة غير مريحة طوال مدة الحوار ، مع وجود انعكاس للطرف الثاني من الحوار سواء في زجاج مجاور أو مرآه ، رمز للتعبير عن الاختلاف بين ما نراه من الأشخاص وبين رؤيتهم لذاتهم التي لا نعرفها عنهم.

بعيداً عن مشاهد الحوار يزخر الفيلم أيضاً بالمشاهد القوية الصادمة ، كمشهد إغماء الطفل ، السيطرة على الحصان البري ، وإطلاقه ، حرق الأموال ، عودة الزوج واعترافه بوحدته وكبر سنه وعدم قدرته على الابتعاد ، مشاهد ربما يجدها البعض مباشرة في رسائلها ولكنني وجدت أن المهم هنا ليس الرسائل في حد ذاتها بقدر أهمية نقل الحالة والصدمة فيما يحدث لمن يشاهدها ، أيضاً أصر جيلان على إبراز مدى الوحدة التي تعيشها الشخصيات في كادرات واسعة ضخمة يتوسطها الوجود الضئيل للشخص الواحد ، لم تكن اللقطات المقربة الكلوز - آب سوى في مشاهد الحوار التي كانت تقترب الكاميرا فيها من وجه المتحدث تدريجياً وكأنها مسبار يغوص في روحه لاستكشافها.

كما قلت الفيلم هو خلاصة روح نوري جيلان لذا ستجد فيه الكثير من أفلامه وسينماه السابقة ولكن الفيلم الأبرز هو
Climates الذي ستجد منه الكثير هنا في الفيلم سواء من التحليل لدوافع البشر وللعلاقات بينهم وأيضاً تشابهاً في المعالجة البصرية لما يطرحه .