الأحد، 25 يناير، 2015

المجهول

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : نجلاء فتحي ، سناء جميل ، عزت العلايلي
إخراج : أشرف فهمي (1984)

كانت و مازالت السينما المصرية فى حاجة إلى مثل تلك التجارب السينمائية حيث مزج الدراما النفسية بالإثارة و التشويق بعيداً عن أي قضايا تطرحها التجربة .

المجهول يتمسك بتميزه و اختلافه من أول مشهد فيه حتى نزول كلمة النهاية ، يسير على خط خاص به لا يحيد عنه ، يرسم جواً من التوتر و الإثارة لم تقدمه السينما المصرية كثيراً ، يبدأ الفيلم بمشهد مُباغت ، تظهر فيه شخصياته الرئيسية على نحو سريع ، جريمة قتل غريبة تحدث ، الصمت يعم الأجواء ، نلاحظ مثلاً توحش شخصية الأم ، و الضعف و الاستسلام الظاهر في شخصية الابنة ، و السذاجة و البلاهة في شخصية الخادم ، مزيج نفسى يُمهد له السيناريو بطريقة ذكية جداً على خلفية جريمة القتل التي تحدث ، بعد انتهاء رمى الجثة في البحيرة ينطلق الخادم مُهرولاً وراء الطيور التي يراها في السماء كأنه يريد التحليق مثلهم ، هنا تظهر على شريط الصوت موسيقى سامى نصير العظيمة التي تُجسد حالة الرغبة في الانعتاق التي يحملها ذلك الكائن الساذج بداخله ، ثم تبدأ تترات الفيلم فى النزول على خلفية موسيقى موترة تُرجعنا إلى جو الجريمة التي حدثت في البداية .

جمال الفيلم ككل أن عناصر تميزه واضحة و هي في النهاية مرتبطة بشكل قوى لا يمكن فصله بالجو النفسي الموتر المُسيطر على الفيلم ، الخلفيات النفسية لكل شخصية لها مثلاً صدى واضح على موسيقى الفيلم و موسيقى الفيلم تخلق بدورها توتراً و هدوءاً في نفس الوقت على الجو العام بالفيلم الذى بدوره يعتمد على المفاجآت التي يكشفها السيناريو و خلوه من الحشو و الحوارات الزائدة و اعتماده بالكامل على السرعة في إيضاح العقدة التي يبنى عليها الفيلم إثارته ، لتكون النتيجة في النهاية حوالى 75 دقيقة فقط تم فيهم تكثيف البناء النفسي المُعقد للشخصيات مع العزلة التي يفرضها المكان عليهم مع الجريمة التي تجد لنفسها مُبرراً قوياً بين الشخصيات .

يخلق السيناريو تناقضاً شكلياً و داخلياً واضحاً بين شخصيتي الأم و الخادم ، الأولى وحش قاتل في صورة أم ، و الثاني براءة و طفولة ساذجة في صورة وحش ، يتم توزيع المناطق الرمادية بين الشخصيتين على شخصية الابنة حيث ضعفها و استسلامها لشخصية الأم ، الخادم يُغرق الضحايا ثم يتراقص كالطفل وراء الطيور ، الأم تُخبر ابنتها بأن قلبها الأمومي بإمكانه أن يُميز ابنها الغائب عنها منذ سنوات طويلة و في نفس الجملة تخبرها بأنهما يجب أن يستمرا في مسلسل القتل حتى يعودوا إلى بلادهما ، الابنة تُظهر ندم شديد عما يفعلونه ثم تستلم لكلام والدتها عن أن الانتقام واجب عليهما حتى يتخلصا من كل آثار الظلم التي وقعت عليهما ، طبيعة المكان هنا تفرض بصورة وحشية على الشخصيات تلك التفاعلات النفسية المُدمرة ، حيث العزلة و الاستسلام لبرودة الجو و برودة الحياة ، و روتينية ما يحدث في ظل الفقر الذى يُحيط بهم و في ظل رغبتهما في ترك كل هذا ؛ الرغبة التي لا تجد لتحويلها إلى واقع أي صدى ملموس حتى مع وصول الابن ، تظل تلك الرغبة مجرد هاجس يولده الفيلم لدى المُشاهد و ليس لدى الشخصيات ، هاجس بأن الوضع سيزداد سوءاً و أن مصيبة ما على وشك أن تحدث و لا تملك أي شخصية فرصة لإيقاف تلك المصيبة ، التراجيديا ترسم لنفسها منحنى تصاعدي تزداد حدته مع مرور الأحداث و الشخصيات مُستمرة في إخفاء حقيقتها و رغباتها الحقيقية على أمل حدوث طاريء خارجي يكشف كل الحقيقة و هو ما لا يحدث .

تلعب الموسيقى هنا على تلك الرغبات التي تتحول إلى هواجس ، تتلمس الموسيقى دواخل الشخصيات بطريقة لم يسمح السيناريو نفسه لتلك الدواخل أن تنطلق ، تُكمل الموسيقى ما يحتاجه السيناريو أو بمعنى أدق ما تركه السيناريو قاصداً من مساحة لا تملأها سوى الموسيقى التصويرية ، و في المساحة التي يملأها السيناريو تظهر الموسيقى كداعم قوى للجو العام الذى يحمله الفيلم .

على صعيد التمثيل لدينا سناء جميل و عادل أدهم ، تجسيد عظيم للتناقض الشكلي و الداخلي الذى تحمله شخصية كلاً منهما ، سناء جميل في جزيئات من الثانية تتلاعب بنبرة صوتها و نظرات عينيها ما بين صورتها الظاهرية كأم و حقيقتها الداخلية كوحش سادي لا يرحم ، في حواراتها مع ابنتها بالأخص يتجسد ذلك التناقض جلياً حيث تصدقها أنت كمُشاهد في لحظة بأنها مغلوبة على أمرها و أنها أم ضعيفة تشتاق الى ابنها الغائب ثم في اللحظة التالية تنقض عليك بكل ما تحمله بداخلها من شر و قسوة ، و عادل أدهم لا ينبس ببنت شفة مُعتمداً فقط على جسده و وجهه ، هو هنا لا يضع حداً فاصلاً بين الصورتين المتناقضتين اللتين يرسمهما له السيناريو ، يمزج الصورتين ببعض بحيث لا تتعاطف معه و لا تكرهه في نفس الوقت ، فقط تُشفق عليه و تفرح بفرحته الطفولية الساذجة عند رقصه مع الطيور .

أشرف فهمي يقدم تجربة سينمائية ممتعة جداً ، يفتح باباً طالما كان مُغلقاً كثيراً أمام أفلام الجريمة في السينما المصرية ، قليلون من قدموها و أقل منهم من أجادوها ، أشرف فهمي هنا يختص لنفسه بمكان خاص جداً و مميز جداً وسط من قدموا أفلام الجريمة في السينما المصرية .