الجمعة، 9 يناير، 2015

Harold and Maude

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : بد كورت ، روث غوردن
إخراج : هال آشبي (1971)

"إن أردت أن تكون (أنا) .. كن أنا ، وإن أردت أن تكون (أنت) .. كن أنت ، لأن هناك مليون طريقة لذلك ، أنت تعرف ذلك"

هذا فيلم أحبه حقاً ، فيلم يدعو للتساؤل المستمر عن معنى أن تكون حياً ، عن كيف تكون حياً ، الكوميديا السوداء تكون – بشكل ما – نوع من المقامرة ، لا يمكنها إرضاء الجميع ، لكن إن أضفنا إلى ذلك علاقة رومانسية تجمع شاب في العشرينات مع امرأة على وشك بلوغ الثمانين فإن الأمر قد يصل إلى حد الهجوم الضاري على الفيلم وصانعه وكاتبه وكل المرضى المتسببين فيه ! ، الشيء الساخر أن الفيلم احرز هجوم استباقي ، فعرض وجهة نظر علم النفس الفرويدي ، الذي يرى الأمر مفهوماً بأن يرغب الطفل بالنوم مع أمه لكنه يجد الرغبة في النوم مع الجدة محيراً ! ، في حين أن وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية كانت مقتصرة على التقزز من العلاقة الجنسية المحتملة في مشهد لكان يُمتع بونويل إن شاهده ، بالطبع المَشاهد تنتقد النمطية الفكرية للتحليل النفسي ورغبات رجال الدين المكبوتة ، ولا تنتقد العلاقة بين هارولد و مود .

(هارولد) : لا نعرف يقيناً ما السبب وراء محاولات الانتحار المزيفة التي يقوم بها الشاب الثري صاحب وجه الطفل ، هل لجذب إنتباه أمه ؟ هل لرغبته في إيذائها ؟ هروب من الواقع أم رغبة في الانسحاب من المجتمع و حباً في الموت ؟ على أي حال ما نعرفه أن لا شيء يُشبع هارولد الذي يفقد التواصل مع أمه ومع العالم ، يذهب إلى الجنائز في سيارة لنقل الموتى ، حتى عندما منحته أمه سيارة فارهة ، عبَّر عن ثورته بتحويل السيارة الـ(جاغوار) لسيارة لنقل الموتى في واحدة من الصورة الشهيرة للفيلم ، الأم تحاول السيطرة على حياة ابنها ، تجيب على استمارة التعارف الخاصة به للراغبين في الزواج ، تظن أنها تعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه ، بينما هي لا تعرف عنه شيئاً ، هو لم يكن يرغب بعد في الزواج .

(مود) : عجوز تعيش حياة بوهيمية ، فتسرق / تستعير السيارات ثم تعيدها متعللة بأنها تُعلِّم الناس أن الملكية زائفة وغير مهمة ، "كم يعشق العالم الأقفاص" ، الحياة طبقاً لـ(مود) حياة خصبة نضرة ، في أحد المشاهد الخاطفة نرى رقم على ساعدها يُرجِّح أنها ناجية من معسكرات الإبادة النازية ، ويُرجِّح أن تكون التجربة التي مرت بها هي ما جعلها تعشق الحياة وتعيش كل لحظات بكل ما تملك من حيوية وطاقة ، هناك قليل من المرارة لدى مود عند حديثها عن فشل الثورة الجماعية في مقابل رضائها بثورتها الفردية الصغيرة ، تُعيد تعريف المحسوس والملموس المُهمَل والغير مُقدَّر ، لكنه في نفس الوقت المُكوِّن الرئيسي للحياة نفسها والذكريات الأكثر عمقاً ، "كل شخص له الحق في أن يجعل من نفسه أحمق .. لا يمكنك ترك الناس تحكم عليك طوال الوقت" .

ما يجمع الشخصيتان هو الموت ، فالإثنان يحضران مراسم جنائزية لأشخاص لم يعرفوهم من قبل ، لكن المفارقة بين الشخصيتين هي التي تساهم بشكل عميق في تطور الفيلم ، لدينا شاب لكنه كالميت أو يطمح لأن يكون ميتاً ، وامرأة مسنة لكنها تملك حيوية عدد من الشباب ، لم يلم مخرج الفيلم هال آشبي الشاب الصغير هارولد ، حيث جعل من الألوان المتعلقة بحياته قاتمة وليس هو القاتم بذاته الوحيد ، هو ابن عالمه وإن كان رافض – بطريقته – هذا العالم ، بينما الألوان المتعلقة بـ(مود) كان زاهية مشرقة ، وهذا أيضاً ليس فضلاً شخصياً من مود ، لكنها تعكس اختيارها لما تود أن ترى ، الشجرة الذابلة التي ودت مود أن تنقلها من المدينة إلى الغابة ، تعكس رؤية مود للحياة كما ينبغي أن تكون ، كما أن ملاحقة الشرطي لهما والطريقة التي عالجت بها العجوز الأمر ، تعكس – بالكثير من الخفِّة – تمردها على سلطة متحجرة العقل والقلب ، كما لم ينس الهيبي آشبي – بالطبع – السخرية من الحرب والآلة العسكرية ، في مشاهد يمكنها إعجاب كوبريك هذه المرة .

بعد حوالي خمس عشر عام من العمل في المونتاج وفي فيلمه الثاني فقط ، نجح هال آشبي في صنع تحفته الأهم ، خليط الكوميديا السوداء بالرومانسية مع القليل من الحزن ، صورة الفيلم الجميلة تعود إلى الرجل الذي صوَّرChinatown  تحفة بولانسكي ، لقطة الفيلم الافتتاحية الطويلة واحدة من الأجمل ، كما لا يمكن غض الطرف عن شريك آخر شديد الأهمية وهو المغني الإنجليزي (كات ستيفنز / يوسف إسلام) ، والذي كانت أغانيه مؤكدة محفزة ، وأحياناً كانت سبب ذكي لإحداث الأثر الكوميدي أو الرومانسي المطلوب .

تعلم هارولد أن المعنى من الوجود يمكن أن يفسر بالحب فقط ، وخلال أسبوع واحد عرف فيه مود وطريقة عيشها ومنظورها للحياة ، قد تحول إلى شخص متصل بحياة كان منعزلاً عنها ولا يجد فيها ما يثير اهتمامه ، تخبره مود عن الأهمية الفردية المستقلة للزهور ، والبشر الذين هم مختلفين كالزهور لكنهم "يسمحون بمعاملتهم على أساس أنهم متشابهين" ، هارولد و مود أصحاب شخصيات مستقلة ومختلفة عن الآخر ، كما أنهما شخصيات من خارج المجتمع ، هذا كان سبب مهم في تكوين واحدة من أغرب الرومانسيات السينمائية التي يمكنها أن تصدم الجمهور وقتها كما يمكنها أن تظل تصدمه الآن ، لذا لم يحقق الفيلم النجاح المنشود وقت عرضه في دور السينما ، لكن الطلبة والشباب – بعد أن انتشر الفيديو في الثمانينات – منحوا الفيلم جمهور واسع ، وأصبح جدير بأن يصبح Cult Movie يشاهده محبيه لمرات لا نهائية .

"لا أحب قول الأكاذيب" - هال آشبي