الجمعة، 2 يناير، 2015

Faces

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : جون مارلي ، جينا رولاندز
إخراج : جون كازافيتيس (1968)

"كفنان ، أشعر أن علينا تجربة العديد من الأمور ، لكن أولاً علينا أن نملك جرأة الفشل ، لابد أن نسعى للمغامرة بكل شيء ، حتى نقوم بالتعبير عن أنفسنا" - كازافيتيس

سينما كازافيتيس سينما كبيرة ومخيفة ، أفلام يمكن للمشاهد أن يتركها لحين امتلاك الرغبة والجرأة الحقيقية لاكتشاف شيء عميق بخصوص نفسه ، "كل شيء هو اختيار ، كصانع أفلام .. ككاتب .. كمصور" يشتهر كازافيتيس بالارتجال ، لكن الارتجال في فيلمه (وجوه) ارتجال في التمثيل ، وليس ارتجالاً في النص ، رغم أن النص يبدو منطوقاً للتو ، ويصعب تصديق أن الممثلين على علم مسبق بالحوار .

كازافيتيس لا يخشى شيئاً ، أفلامه تحمل الكثير من الصدق بدرجة مؤلمة ، مثل محاولات الشخصيات اليائسة لتبديد لحظات الصمت المهيمنة لعدم وجود ما يُقال ، الشعور بالإحراج لدى قول شيء يفتقر إلى الذكاء أو شيء كاشف لضعف النفس .

يُغلَّف كازافيتيس فيلمه بطابع وثائقي أحياناً ، لكن يكسبه – في الأغلب – طابع الفيلم المنزلي ، الكاميرا المحمولة حاولت باستمرار تضييق الخناق على وجوه الشخصيات ، حتى لا تترك فرصة للتملص ، تلتقط كل ما يمكنها إلتقاطه ، خاصة في لحظات الكشف والفضح ، لقطات شديدة القرب شديدة الضراوة ، يُنعش ابتكار (آلام جان دارك) لدراير ، لقطات خام تدرس الوجوه وتترصد ، لقطات لا هوليوودية ، فلا يوجد مخرج آخر قد تراوده نفسه بالاقتراب الشديد من وجه جون مارلي الصارم المغطى بالبثور ، والأسوأ أن اللقطات تستمر في الظهور ! ، لا حاجز بين الواقع والخيال ، يبدو الواقع حاضر بصورة مستفزة ، وهذا هو الهدف ، لا مبالغة أو رموز ذكية أو تجميل لأي عنصر ، هذا الفيلم برّيّ خام حتى يومنا هذا ، وأعتقد أنه سيستمر كذلك للأبد .

كازافيتيس يهدف دوماً إلى جعل المشاهد يتعلم كيفية التعبير عن نفسه بحرية ، بغض النظر عن آراء الآخرين ، تلك مهمة هي الأصعب في الحياة بالنسبة للرجل ، "أن تقول ما أنت عليه ، ليس ما تود أن تكون ، ليس ما عليك أن تكون ، فقط قُلْ ما يُعبِّر عنك وهذا جيد كفاية" ، على أي حال الوجوه قالت كل شيء ، خلال رحلة عاصفة للمشاعر وتكشُّف حقيقي لها ، شخصيات الفيلم تشعر باليأس الشديد ، تعيش على الحافة ، علاقات مزيفة ، كذب على النفس ، وعلى الآخرين ، ما يبرع فيه كازافيتيس أكثر من غيره هو جعل المشاهد يزدري حقاً تلك الأكاذيب ، "قد نستطيع تغيير حياة الأشخاص في ساعتين" .

شخصيات الفيلم – وأغلب شخصيات كازافيتيس بوجه عام – تبحث عن من يمكن الوثوق بهم ، حتى يأمن الفرد ليكون على طبيعته وفطرته ، فيصبح نفسه بالكامل ، فلا يجدون غضاضة مثلاً من الذهاب إلى نادي ليلي يُسمَّى (نادي الخاسرون) ! ، "الأصدقاء لا يمكنهم أن يصبحوا جادين" كما أن كازافيتيس لا يذهب إلى تلك الشخصيات إلا عندما تقرر رفض مواصلة تلك الحياة البائسة ، رفض الحلول الوسط ، تقرر الشخصيات فعل المستحيل للوقوع في الحب أو البحث عن السعادة ، مهما طلب الأمر من تضحيات أو امتهان محتمل لتلك الشخصيات ، لتجد – غالباً – في النهاية أنه لا توجد حلول حقاً ، "لا أحد لديه الوقت حتى يكون غير حصين بالنسبة للآخر" ، تواضع كازافيتيس وأمانته في كشف الطبيعة البشرية كانت – في رأيي – السبب لأن تَكشف تلك الطبيعة نفسها له ، بينما حاول الآخرون إجبارها – أحياناً بلا جدوى – على الظهور .

الممثلون كانوا مبهرين حقاً ، لا يوجد أقل من ممتاز بينهم ، قد يكون السبب هو مقدار الارتجال المسموح به ، أو أنهم في الفيلم بدافع الحب وليس المال ، كان مسموح للممثلين التحرك بكل أريحية وحرية حيث لم يهتم كازافيتيس بالضوء بقدر ما رغب في إطلاق عنان ممثليه ، لين كارلين مثلاً – سكرتيرة روبرت ألتمان سابقاً – كانت تقوم بالتمثيل لأول مرة ، لكنها صنعت التاريخ لنفسها ، كازافيتيس احتاج أحياناً لصفع ممثلاته حتى يحصل على الأثر المطلوب ، "أنا رجل عصابات ، إن أردتُ شيئاً سأحصل عليه" ، قد يبدو هذا قاسياً لكن ما يؤكده الجميع أن كازافيتيس يهتم بالعاملين معه أكثر من الفيلم ، وربما من السينما ذاتها .

أهمية كازافيتيس بالنسبة للأفلام المستقلة هائلة ، أهمية لا تقتصر على الصناعة – أو بالأحرى الصناعة خارج الصناعة – لكنها تمتد لمشاهد لم يتعرض لتلك الحميمية من قبل بينه وبين فيلم ، تلك الجرأة ، وهذا الإصرار ، صوَّر كازافيتيس الفيلم – بتمويل ذاتي – في منزله الشخصي ، ومكث لصنعه حوالي ثلاث سنوات ، على الرغم أنه كان مجبراً على الجودة الضعيفة التي خرج بها الفيلم ، لكن تلك الجودة ساهمت في تأطير ضبابية حياة الشخصيات ومصيرها ، وضع الكاميرا المُهمَل ولا اصطناعية اللقطات جعل الصورة شديدة الفيزيائية ، هو فيلم يتطلب مقدار لا بأس به من التفهم ، حيث يكون شرب الكحول خلفية وليس جبهة مواجهة .

القطع السريع كان موازي للانتقال السريع بين الضحك والبكاء لدى الشخصيات ، كل شيء يوحي بالجنون في عالم أكثر جنوناً ، يلعب كازافيتيس على التطرف بين النقيضين (الحب والكرهالسعادة والبؤسالشباب والكهولة) ، كما يجعل الليل قنبلة يبدو إنفجارها هو الشيء الصحيح الوحيد .

الوجوه ليست بالضرورة مرادف للصدق عند كازافيتيس ، فهي أقنعة يحاول الرجل انتزاعها بعنف ، الخيانة الزوجية كقناع لأزمة منتصف العمر بكل نزعاتها التأكيدية ، اصطناع الضحك والنكات السيئة كقناع لشخصيات خرقاء اجتماعياً ، مناقشة أمور الآخرين كقناع لعدم التواصل بين الأزواج ، احتقار المرأة كقناع للتنافس الذكوري .

كازافيتيس يرى أن المشاهد لا يريد رؤية شيء جديد أو مختلف ، حتى بعد أن يرى الفيلم المختلف يظل غاضباً من المخرج اللعين ، لكن بعد عدد من السنوات يظل الفيلم عالقاً في ذاكرة المشاهد الغاضب ، وهذا هو الفن بصورته الأبهى ، ربما – ببعض تعصب – بصورته الوحيدة ، الشيء الأكثر تقديراً بالنسبة لي عند كازافيتيس هو رؤيته الفن كمتعة ، وأن المتعة بدورها تحتاج إعادة تعريف .

 "فيلم (وجوه) أصبح أكثر من فيلم ، أصبح طريقة للعيش ، فيلم ضد السلطات والقوى التي تمنع الناس من التعبير عن أنفسهم بالطريقة التي يريدون" - كازافيتيس