الخميس، 1 يناير، 2015

Gone Girl

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : بن آفلك ، روزاموند بايك
إخراج : ديفيد فينشر (2014)

خلال أكثر من مائة عام في تاريخ السينما ، لم أستمتع بالتشويق والاثارة ولحظات الترقُّب في سينما مُخرج مثلما فعلت مع المُعلِّم الفريد هيتشكوك ، ومنذ رحيل الرجُل الي الآن لم يظهر تلميذ له أنجب من ديفيد فينشر ، الفيلم العاشر في مسيرة ديفيد فينشر يحكي حكاية زوجين ، نيك دان (بين افليك) وايمي ايليوت (روزاموند بايك) ، يروي نيك في البداية عن اختفاء زوجته ، يبلغ الشرطة وتحضر بقيادة روندا بوني (كيم ديكينز) للتحقيق ، بعدها ينتقل صوت الراوي الى ايمي ونستمع اليها تكتب مذكّراتها وتستعيد الأحداث التي تسبق الاختفاء ، نعرف ان زوجها كاتب تعرفت عليه في نيويورك ، وانها شخصيّة مشهورة الهمت والديها لصناعة شخصيّة ايمي المُذهلة ، هي كاتبة أيضاً لكنها وزوجها فقدا عملهما ، ينتقل الزوجان الى ميزوري بعد مرض والدة نيك ، تموت الأم ويستقر الزوجان ، ويشارك نيك زوجته في ادارة حانة .

في النصف الثاني يدخُل الفيلم في عقدة جاذبة وصادمَة للجمهور ، تبدأ الشكوك في الدوران حول الزوج نفسه ، لماذا لا يكون هو المسئول ؟ وقع عقداً مع احدي شركات التأمين علي حياته هو وزوجته بمليون دولار في حالة وفاة احدهما ، لتستمر رحلة البحث في أجواء من الترقُّب والاثارة .

قبل الحديث عن أي شيء ، هذا فيلم عظيم ، بمقاييس ديفيد فينشر نفسه ، بهدوئه الرومانسي ، وايقاعه المضبوط جداً ، وحبكته الصادمة ، ولحظات التوتّر ، والعنف الدموي ، والتصوير الخاطف للأنفاس ، وكالعادة يُقدّم ديفيد فينشر محتوي يظهر من تحت السطح ، هذا ليس فيلم غموض واثارة فحسب ، وليس تحيّة الي السيّد هيتشكوك فقط ، وانما يضرب في عُمق النظام الأمريكي ، يوضّح تأثُّر السلطات التنفيذيّة بالرأي العام و بالإعلام .

اخراجيّاً هذا واحد من أعظم اداءات فينشر الاخراجيّة على الاطلاق ، الرجُل كالعادة يهوى تعذيب أبطاله ، (نيك) هُنا تحت ضغط رهيب ، بالأساس هو متواكل علي زوجته ، والآن بعد اختفاء زوجته يقع تحت ضغط الاعلام والرأي العام الأمريكي ، ثم اتّهامه بالتورّط في اختفاء الزوجة ، علي الجانب الآخر هُناك (ايمي) الساعية للانتقام من الزوج الخائن ، كلا الشخصيتين خائف وكلاهما لديه دوافع مُختلفة ، لكن فينشر لا يورّط المُشاهد في اشكاليّة التعاطُف مع شخصيّة دون الأخرى ، العظيم أيضاً هو طريقة سرد الحكاية نفسها ، أنا أعشق ديفيد فينشر ، وجُزء من عشقي للرجُل ليس نوعية الحكايات التي يسردها ، بقدر ما هي طريقة السرد نفسها ، فينشر هُنا "هيتشكوكي" جداً ، يُقدّم لغزاً بطيئاً يقود الي قضيّة أخرى ولُغز آخر ، بطلة الفيلم شقراء ، ينظر نظرة دونيّة الي جنس البشر ولا يتعاطف مع أي من الشخصيّات ، يقسم فيلمه الي جزئين مثل Psycho ، الجُزء الأوّل مُتعلّق بقضية اختفاء الزوجة ، والنصف الثاني تظهر الزوجة وتحكي عن طريقتها في الايقاع بزوجها ، ويصنع عالماً كابوسياً جداً ، شخصيّة فينشريّة تقع في أزمة وتحاول ان تُصلح الأمور ، لكنها لا تفلت من العقاب ، ومحاولة فك الالتباس هُنا هي هذا العالم ، ويضعنا فينشر في قلب الحالة ويحيطها بالسواد المُعتاد ، يستغل كل ادواته الاخراجيّة ليُقدّم مجموعة من المشاعر المُتناقضَة والهواجس والكوابيس داخل المُجتمع الأمريكي ، ويثبت مُجدداً انه واحد ضمن أفضل أبناء جيله .

على مستوى الآداءات ، روزاموند بايك تُقدّم اداءاً عظيماً لشخصيّة الزوجة المُضطربة نفسياً ، لحظات النشوة والانتصار والشر المُطلق تجسّدت في عينيها في أفضل صورة مُمكنة ، بين افليك يبدو اختياراً جيداً لغموضه واثارته للشك دوماً ، لكن كان بالإمكان أفضل ممّا كان ، المونتاج والتصوير كعادة أفلام ديفيد فينشر في أفضل الحالات المُمكنة ، تصوير جيف كورننويث - كالعادة ضمن مدرسة النوار الجديد - يخطف الأنفاس بشدّة ، ويساعده على ذلك مونتاج الاوسكاري كيرك باكستر الذي منح الفيلم حيويّة شديدة تحافظ علي الايقاع وتركيز المُتفرّج حتي مع اعادة المُشاهدة .

اجمالاً تجربة فينشر هذه من أجمل تجارب 2014 السينمائيّة ، لَم تستقبل بحفاوة مُناسبة تليق بفيلم سيصبح كلاسيكيّة مع مرور الوقت .