الأربعاء، 21 يناير، 2015

Blood Simple

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : جون غيتز ، فرانسيس مكدورماند ، دان هدايا
إخراج : جويل و إيثان كوين (1984)

"العالم مليء بالمتذمرين ، لكن الحقيقة هي أن لا شيء يأتي مضموناً .. لابد أن تسوء الأمور عند مرحلة ما"

صوت الراوي في بداية أول أفلام الأخوين كوين يخبرنا بحقيقة اللعبة التي سيلعبها الأخوان إلى يومنا هذا ، سخرية دموية سوداء ورؤية داكنة لعالم يملؤه المتذمرين ، هم آتون للمرح إذاً .

لا توجد رسائل في أفلام الكوين ، لا شيء مبطَّن أو رموز ذكية ، لكنها أفلام ذكية للغاية ، هناك بعض الغموض الذي قد تتضح تفاهته ويصبح مصدر للكوميديا ، حنين خبيث إلى هوليوود الكلاسيكية والفيلم النوار ، لذا تتم محاصرتهم بحقيقة أن أفلامهما هي أفلام عن الأفلام ، فهناك الكثير من التفاصيل التي تبدو وكأنها تبعث تحية أو تبطِّن سخرية من أفلام كلاسيكية أو حتى أفلام الفئة B ، لكن جويل كوين يقول أنهم يشيرون دائماً إلى الكتب التي تم تحويلها لتلك الأفلام ، وليس الأفلام نفسها .

الأخوان يلعبان دائماً بنفس القواعد ، يسمحان للمشاهد بمعرفة ما يلزم عن مجرى الأحداث ، أحياناً يقومان بإعطاء هدايا مجانية كتفاصيل صغيرة يعرف المشاهد جيداً أنها ستُستخدم لاحقاً ، معلومات بسيطة يعرفها المشاهد ولا تعرفها الشخصيات ، ثم يتركان المشاهد يمتع نفسه بتلك المعرفة ، فيجد المشاهد مع الوقت أنه لا يعرف الكثير حقاً مما يضمره الأخوان للشخصيات ! ، كما يقول جويل : "نحن نصنع الوحوش ، ثم لا نستطيع التحكم بها".

أؤمن بنظرية جامحة عن لمسة (لوبيتشية) داكنة لدى الأخوين ، فطبقاً لتعريف بيلي وايلدر للمسة اللوبيتشية بأنه يضيف نكتة يتوقعها الجمهور ثم نكتة أقوى بكثير لم يتوقع قدومها الجمهور ، وهذا ما أجده متناثراً في سينما الشيطانين ، ليس كنكات لكنها كوميديا سوداء وسخرية مُرّة متعلقة بشبكات الحبكات التي يُضيق الأخوان خناقها حول الشخصيات ، ففي فيلمهما الأول مثلاً نرى الصياد يقع فريسة فريسته ، كما نرى الفيلم يتلاعب بأعصاب المشاهد بخصوص إن كان أحد الشخصيات على قيد الحياة أم إنه قد مات فعلاً ، رغم أن المشاهد يعرف جيداً أنه قد مات فعلاً ، لا يمكن توقع النتائج في تلك الأفلام ، كل شيء يبدو عبثياً لا يخضع لمنطق يظنه المشاهدين ويأمنوه بخصوص ما يشاهدونه ، فالمخرجان يضعان نظرية الانفجار الكوني قيد التطبيق في السينما .

كل شيء يبدو غير متوقع في سينما الأخوين ، في أي إصدار لـ(نسخة المخرج) يُضيف المخرج بعض المشاهد أو اللقطات المحذوفة أو التي لم تُعرض من قبل ، لكن عندما أتى الأمر للأخوين كوين أصبحت (نسخة المخرج) من فيلم Blood Simple أقل وقتاً من النسخة الأصلية التي تم عرض الفيلم بها ! ، الغير متوقع في سينما الكوينز يكون بصورة جزئية و كليّة ، الصورة الكُليِّة متعلق بالقدر ومصير الشخصيات الغامض ومصير الفيلم نفسه ، بينما الصورة الجزئية متعلقة بالتفاصيل الصغيرة ، التي قد تؤثر وقد لا تفعل ، في هذا الفيلم مثلاً نجد رجلاً غاضباً يشاهد نار مشتعلة بينما يأتيه ساقي البار الذي يعرف أنه يقوم بخيانته مع زوجته ، وساقي البار يعرف أن الزوج – رب عمله – يعرف ، نحن نتوقع صدام ضخم ، لكننا نجد الموظف فقط يطلب من الزوج راتب آخر أسبوعين !

أحياناً يبدو أنه على الشخصيات أن تستمع لنصيحة جويل : "لا تفتح الصندوق!" ففي أفلام الأخوين يبدو كل شيء هادئ إلى أن يأتي فعل أحمق واحد ، غالباً يأتي اختيارياً بصورة محسوبة ودقيقة ، لكن على الرغم من هذا "شيء ما يذهب في الاتجاه الخاطئ"، عندها يبدأ كل شيء في التداعي ، فتصبح الجريمة حقاً لا تفيد ، وكذلك فعل الخير ، وأحياناً حتى البقاء على هامش الحياة لا يفيد أيضاً في سينما هؤلاء الخبثاء .

من الممتع أن تشاهد فيلم نوار حديث به محقق خاص يحافظ على التقاليد و يقوم بإلقاء تعليقات بذيئة ، لكن الأكثر متعة أنه - على عكس ما نعرفه في أفلام النوار –  بدين وفج ! ، لا احتمالات رومانسية هنا إذاً ، فيما بعد سيصبح المحقق قاتل محتمل ، على الرغم من تصويره كقاتل صاحب دم بارد لكنه مُتعرِّق لا يحتمل رائحة السمك ، تفاصيل لم يتم نسيانها عندما قاما (كوين) برسم شخصية أنطون شوجر في No Country for Old Men ، نفس الأمر بالنسبة للمال ، تريده الشخصية لكن لا تريد لمسه لأنها تستشعر بأنه ملعون .

حوار الفيلم القليل يبدو وكأنه مفهوم للشخصيات ، وإن كان صعب الفهم حقاً بالنسبة للمشاهد ، في أحد المشاهد تخبر الزوجة العشيق بأن زوجها "شرجي في الرأس" فيهز العشيق رأسه متفهماً بسهولة ، بوجه عام تظل الاخفاقات البشرية في التواصل هاجس مهم في سينما الأخوين كوين كمقابل للإخفاقات التي تكون بصورة عملية آلية ، حيث تبدو عملية إصلاح الخطأ هي الشيء المناسب لعمله ، لكننا نجد أن إصلاح الخطأ قد تسبب بخطأ أكبر ، وتستمر سلسلة التفاعلات .

بصمات الأخوين ملحوظة بصورة تدعو إلى الإعجاب بالنسبة لفيلم أول ، هناك مشهد شهير حيث تتحرك الكاميرا متخطية أحد السكارى فترتفع فوقه ثم تنزلق منخفضة من جديد ، السمك الميت وكوب اللبن على المكتب ، آخر لحظات في حياة أحد الشخصيات حيث لا يفزع من الموت بقدر انزعاجه لعدم قدرته على الحركة بينما تتجمع قطرة مياه فوق رأسه ، استخدام نفس الموسيقى وقت اكتشاف الحب ووقت اكتشاف الجريمة ، الدرجات الدموية المتفاوتة ، كان بداية تعاون الأخوين – الذي لم ينقطع – مع الملحن كارتر بورويل في أول عمل يقوم به ، كما كان التصوير الجميل المعني بالتفاصيل لـ (باري سوننفيلد) الذي سيصبح مخرجاً معروفاً ، حيث نجح الرجل في تصوير مناخ الأخوين المفضل ، بيئة قاحلة منعزلة تبدو مُرحِّبة لارتكاب جريمة ومستعدة للصمت .

"لا شيء سيأتي من لا شيء" الملك لير - شكسبير