السبت، 6 ديسمبر، 2014

Woyzeck

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4/5

بطولة : كلاوس كينسكي ، إيفا ماتز
إخراج : فيرنر هيرتسوغ (1979)

" الموت ينبغي أن يكون ثمنه رخيصاً ، و لكن ليس مجاناً "

فلنتأمل افتتاحية الفيلم ؛ لقطات جميلة للمدينة التي تدور فيها الأحداث ؛ شوارعها و بيوتها ، على أنغام موسيقى هادئة و عذبة ، ثم مع تغير تون الموسيقى إلى إيقاع عسكري واضح يظهر البطل يؤدى تدريباته المعتادة كجندي متواضع لا حيلة له ، يبدو على ملامحه - منذ الوهلة الأولى - أنه يحتمل أكثر مما ينبغي و مع ذلك فهو يفعل ما يؤمر به و ما يُجبر عليه .

فويزيك ؛ تخضع كل مفردات حياته من تصرفات و ردود أفعال و مشاعر إلى قوانين حياتية تفرض عليه حالة من الحصار و الاختناق ، تلك الحالة التي ينتج عنها مساحة واسعة جداً من الهلاوس تزيد من حدة ذلك الحصار ، فويزيك شخص مغلوب على أمره ، قدراته العقلية محدودة ، و لكى يسد حاجة أسرته يُخضع نفسه لمجموعة من الأعمال المُهينة كاشتراكه مثلاً في تجربة طبية تفرض عليه ألا يأكل غير البازلاء ، بناء الشخصية واضح و لا يحتمل تأويلات كثيرة ، شُحنة الهم التي تعتري الشخصية لا تترك له مُتنفساً يحتاجه أي شخص ، أول مشهد هلوسة له يأتي سريعاً بعد مشهده مع الكابتن الذى يعمل حلاقاً له ، يخلق النص مساحة التنفس تلك في صورة هلاوس يُفرغ فيها فويزيك شحنة الغضب و القلق التي لا تتركه ، جمال النص هو في تلك الجزئية بالتحديد ، اقتران الهلاوس بتلك الأعمال التي تفرض عليه حالة الاختناق الشديدة التي ستدمر أول ما تدمر الشيء الأكثر صدقاً فى حياة فويزيك .

تصاعد حدة الهلاوس تلك يصاحبها فى المقابل انهيار الكيان الأسري الذى يحاول فويزيك جاهداً أن يحافظ عليه ، انهيار يحدث على غفلة منه أو ربما لمحدودية قدراته العقلية فهو لا يلاحظه إلا مؤخراً ، فتكون استجابته نابعة بالأساس من الجانب المُظلم الذى خلقته تلك الهلاوس في روح فويزيك ، فهو في النهاية شخص بريء و مسالم و نقي ، حتى و إن لم يأتي على لسان أحد في الفيلم أنه كذلك ، النص هو دراسة سلوكية نفسية جميلة عن تحكم الأنظمة و غشوميتها فى التعامل مع أفرادها ، الخناق و الحصار و اللامبالاة التي يتعاملون بها مع هؤلاء الأفراد .

هيرزوج يتعامل مع النص بهدوء شديد ، اللقطات طويلة ، ثابتة ، لا يوجد ضجيج لا على شريط الصوت و لا على شريط الصورة ، هذا الهدوء الواضح في الصورة أتاح للنص أن يرسم حالة الاختناق تلك بكل براعة ، في اللقطة التي يخرج فيها فويزيك من المتجر الذى اشترى منه للتو سكيناً ، اللقطة واسعة يجرى فيها فويزيك في شارع واسع كأن شيئاً يطارده متفلتاً يميناً و يساراً ، و يبدو أنه يجرى إلى طريق مسدود ، لقطات الكلوز على وجه البطل مثلاً قليلة ، فراغات الصورة أو ازدحامها التي تحيط بالبطل ترسم حالة الاختناق و الحصار ببراعة ليبدو البطل في جميع لقطاته تقريباً أنه مسجون أو مُحاصر ، مشاهد الجريمة و توابعها يوزع هيرزوج بكل براعة لقطاته ما بين المتوسطة و العامة للحفاظ على حالة معينة و وتر معين تلعب عليه الأحداث طوال الفيلم ، و في اللقطة التي يذهب فيها إلى البار ، يُشكل هيرزوج لقطته - للمرة الأولى فى الفيلم بذلك الوضوح و المُباشرة - للتعبير عن حالة الاختناق و الحصار عن طريق إحاطة البطل بكل أصناف البشر الموجودين فى البار و بعدها لقطة طويلة واسعة لانهيار البطل نفسه و ابتلاعه بالهلاوس التى تصل إلى ذروتها فى هذا المشهد .

أسلوب هيرزوج هذا كان واضحاً جداً و عظيماً جداً في فيلمه الأشهر Aguirre The Wrath Of God حيث قلة لقطات الكلوز لبطل فيلمه على الرغم من العواصف النفسية التي تعتمل بداخله ، مغامرة بالتأكيد من هيرزوج ، و لو كانت مغامرة غير محسوبة لفسد الفيلم بأكمله ، رهان هيرزوج هنا هو كلاوس كينسكى ، عيون هذا الممثل تقوم بالمهمة كاملة ، تستحوذ على الشاشة و تلتهمها التهاماً سواء كانت اللقطة متوسطة أو حتى عامة ، بنظرة واحدة في أول ظهور له سترى تلقائياً ما يدور داخل تلك الشخصية ، و لا يكتفى فقط بذلك بل هناك تدعيم عظيم من ملامح وجهه و العرق النافر في جبينه خصوصاً ، و أداءٌ حركي و جسدي عظيم .