الخميس، 4 ديسمبر، 2014

Ida

كتب : محمد السجيني

التقييم : 4.5/5

بطولة : آغاتا كولاشا ، أغاتا تشيبوخوفسكا
إخراج : بافل بافليكوفسكي (2014)

تدور أحداث الفيلم في بولندا عام 1960 ، ويحكي قصّة فتاة تُدعي آنا تبلغ من العُمر ثمانية عشر عاماً وتعيش في دير ، تُخبرها الراهبة المسئولة أنها يجب أن تقابل خالتها قبل أن تنصب رسمياً كراهبة ، تذهب آنا الى خالتها واندا لتكتشف ان اسمها الحقيقي هو ايدا و أنها من أصل يعود الي عائلة يهوديّة بينما قُتلت عائلتها علي يد فلاحي بولندا الكاثوليكيين بعد أن آووهم ، تعرف أيدا أيضاً ان خالتها عملت كقاضية وأصدرت احكاماً بالإعدام على من عادوا الثورة وأن لها ابناً مات مع عائلتها ، وبعد محاولات عديدة تتقابلان مع القاتل الحقيقي و تذهبان معاً الى المكان الذي دُفنت فيه الجُثث ، بعد ذلك تُقرر خالتها أن تودّع الحياة بعد ان عجزت عن التعايش مع الماضي أو تجاوزه ، وتذهب ايدا لتحاول أن تستمتع بملذّات الحياة وتقلد خالتها فتُجرّب التدخين والخمر ومُمارسة الجنس قبل أن تعود الى الدير مرّة أخري كي تهرب من العالم القذر .

لأوّل وهلة يبدو عمل بافليكوفسكي هُنا عملاً تقليدياً ، لكن مع بعض التأمُّل في السيناريو ونظرة مُخرجه يزداد تقديره ، تقليدية الفيلم هُنا في حديثه عن الاضطهاد الذي واجهه اليهُود ابان الحرب العالميّة الثانيّة بفعل النازيين او خطابهم المُعادي لليهود ، لكن الفيلم هُنا لا يعرض المأساة ذاتها وانما يعرض آثارها علي شخصيتين ايدا وخالتها واندا ، ويُركز السيناريو علي هاتين الشخصيتين ولا يذهب في متاهات أخرى قد تضرب ايقاعه ، لا يجعلنا ننتظر حدثاً مُهماً قد يحدث في حياتهم ، وانما نُراقب تفاصيل ما يعيشونه لتقدير ما يتخذونه من قرارات ، و يُقدم الفيلم في هذه الجُزئيّة تناقضاً بين الشخصيتين ، المرأة الشيوعيّة التي ساهمت في بناء الدولة الآن تبدو مُستهترة لا مُبالية تداوم على الخمر والتدخين كمن يحاول الهروب من أمرٍ قاسٍ حدث لها ، على الجانب الآخر هُناك ايدا البريئة الطاهرة بملامحها الهادئة وايمانها الظاهر ، ويدعم ذلك التناقض حتى على الصعيد البصري في المواجهات بين الشخصيتين خصوصاً في أول مُقابلة حين تذهب ايدا لخالتها وتفتح لها الباب ، الكاميرا تلتقط المشهد من بعيد لتمنحنا عين المُراقب ، تقدّم ايدا من الخلف بينما الخالة من الأمام وتحافظ علي مسافة بينهما ويمتد التناقض حين ترتدي الخالة ملابس داكنة بينما ترتدي ايدا ملابس فاتحة اللون .

اخراجياً يتوهّج بافليكوفسكي جداً ، ما يُقدّمه الفيلم لا يعتمد علي خطاب عاطفي مؤثّر يجذب قلوب المُشاهدين ، وانما يُبطيء ايقاعه قدر الامكان ويستخدم موسيقي كلاسيكيّة تخدم طريقة التقديم ، يصور الفيلم كاملاً بالأبيض والأسود وبكاميرا ثابتة - باستثناء المشهد الأخير الذي يصوّر اضطراب نفس ايدا ليوحي بالحقبة الزمنيّة التي يستقي منها أحداث الفيلم ، ويحافظ علي ذلك في حجم الكادر المُشابه لكادرات أفلام الستينات وفي الديكورات الداخليّة أو حتى في المشاهد الخارجيّة في الغابة أو في طرق بولندا .