الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

Winter Light

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : إنغريد تولين ، غونار بيورنشتراند
إخراج : إنغمار بيرغمان (1963)

"يسألني الناس عن أغراض أفلامي .. أهدافي ، هو سؤال صعب وخطير ، في المعتاد أعطي إجابة مراوغة : أحاول قول الحقيقة عن الإنسان .. الحقيقة كما أراها" – بيرجمان

قد يظن المشاهد أن فيلم بيرجمان يفتقد التناسق ، حيث أن شخصيات فيلم (ضوء الشتاء) لا يوجد ترابط بين حواراتهم ، لكن من يعرف أفلام السويدي الكبير يدرك بأن إنعدام الترابط – وأي شيء آخر داخل الفيلم البيرجماني – هو أداة لدى مخرجه وليست نتيجة ، شخصيات الفيلم بالفعل لا يربط بينهم شيء سوى معاناتهم من إنعدام التواصل ، في بداية الفيلم علينا أن نرى القس يعظ بينما ظهره لرواد الكنيسة القليلين ، يمنحهم الخبر والنبيذ مُذكِّراً إياهم أنهم يأكلون جسد المسيح ويشربون دمه ، في عينيه لوم وبعض غضب ، يستمر المشهد الطويل بينما عازف الموسيقى في الكنيسة يشعر بالملل ، كل شيء داخل الكنيسة يغرقه الروتين السقيم .

القس لا يشعر بتعاطف تجاه الناس ، ولا يشعر به كذلك تجاه الفتاة مارتا ، حبيبته السابقة ، تكتب الفتاة خطاباً إلى القس ، يكسر به بيرجمان الجدار الرابع ، ويحقق الاتصال المباشر الوحيد ربما خلال فيلمه ، قد أصبح بيرجمان متذمراً من عدم قدرتهم على التواصل ، فقرر أن يريهم كيف يتم ! ، تخاطبنا مارثا و تخاطب القس بينما تنظر مباشرة في اتجاه الكاميرا ، تخبره كيف راعه منظر تقرحات يدها ، بما إننا في ضيافة فيلم لـ(بيرجمان) فعلينا أن نتعامل مع كل شيء من منظور شكلي ومنظور رمزي موازي له ، تقرحات يد الفتاة تماثل تقرحات روحها المعذبة ، كما أنها قد ترمز لما هو أكثر خطورة .

تلجأ إلى القس زوجة بَحّار يشعر باليأس بعد أن علم بسعي الصين لإنتاج قنبلة نووية وتدمير الغرب ، البحار يرى نهاية العالم بالإبادة النووية و يتساءل لمَ يسمح الرب بذلك ؟ ، هذا المشهد القاتم يمكننا أن نرى نسخته الساخرة في مشهد الطفل (وودي آلن) الشاكي من تمدد الكون في فيلم Annie Hall ، البحار كان في حاجة إلى دواء لقلقه ، القس لم يكتفي بتجاهل قلق البحار ، وإنما نقل إليه قلقاً جديداً ، القس لم يكترث بأزمة الرجل ، وأخذ يحدث البحار عن أزمته الشخصية وشكوكه حول الإله ، البحار يفضل أن يُزهق روحه بدلاً من عذاب إنتظار نهاية العالم أو عذاب الحياة والشك في الرب ، نرى مشهد طويل حيث يتم نقل جثة البحار يرينا خلاله بيرجمان مدى يأس الإنسان في كون واسع وبيئة موحشة ، طقس بارد يحتمي منه بشر أكثر برودة ، القس – دون تعاطف أو شفقة – يخبر زوجة البحار بوفاة زوجها ، تتقبل النبأ  بتسليم تام جدير بمؤمنة .

قس بيرجمان يناجي ربه ويقول : "يا إلهي لمَ تتخلى عني ؟" ، مثل قس بريسون في تحفته Diary of a Country Priest ، ومثل المسيح نفسه خلال لحظات الشك الأخيرة ، قس بيرجمان يقتله التساؤل عن الخلق والإبداع والحياة ، القس فقد زوجته منذ سنوات لكنه ظل على حبه لها ، مع طول المدة التي قضاها فاقداً الزوجة والحب يبدأ فقد الرب ، أصبح فقدان القدرة على الحب مساوي لفقدان القدرة على الإيمان ، بعد وفاة زوجة القس صار على علاقة مع مارتا ، لكن سرعان ما أصاب العلاقة فتور تحول إلى إزدراء من جانب القس ، وإن كانت الفتاة لاتزال تحبه ، يصب القس على مسامع مارتا كلمات يمكننا وصفها بالقاسية من باب التلطيف ، يخبرها بأنه كاره و مزدري لكل ما له علاقة بها ، القس – صاحب الوجه الحجري – يبدو بارداً منعزلاً ، بينما مارتا الملحدة أكثر دفئاً وحباً وإيماناً حتى !

في فيلمه السابق Through A Glass Darkly ربط بيرجمان بين الرب والحب ، وكيف أن بغياب الحب يغيب الرب كذلك ، تسمية ثلاثية (صمت الإله) – المكونة من فيلم (خلال زجاج معتم) و (ضوء الشتاء) و (الصمت) – ربما أضرت قليلاً قيمة الأفلام حيث صار الأسهل تأويل كل تفاصيل الأفلام الثلاث من خلال نفس وجهة النظر ، تشبيه بيرجمان في فيلمه الأول تكرر مع فيلمه الثاني عن إله عنكبوت ، ربما يعود التشبيه إلى فكرة نيتشه عن الإنسان المحاصر قليل الحيلة داخل شبكة ضخمة من الوجود .

القيّم على الكنيسة يخبر القس عن أفكاره حول معاناة المسيح الروحية ، والتي ينبغي الوقوف عندها وليس المعاناة الجسدية ، كيف تعذب المسيح وهو على الصليب لشكه حول صمت الإله وكذب نبوءته ، إن كان هذا الحال مع المسيح فكيف الحال بالإنسان ، نرى كيف يمكن إسقاط آلام المسيح على آلام القس من خلال كلام القيّم بأن المسيح لم يجد من يفهمه وسط أتباعه ، وشكوكه حول تخلى الرب عنه ، أزمة المسيح وقتياً كذلك تتشابه مع أزمة القس خلال الفيلم الذي يصوّر كذلك بعض ساعات من أزمة القس ، حوار القيّم هو واحد من أجمل النصوص التي تعكس أستاذية بيرجمان المؤلف .

"تصوير الذات هو شيء على المرء ألا يرتكبه ، لأنه من الخطأ الكذب حتى خلال السعي لقول الحقيقة" – بيرجمان

الفيلم من أفلام تاركوفيسكي المفضلة ، والفيلم الوحيد ربما الذي رضي عنه صانعه ، قد يرجع ذلك إلى مدى خصوصية الفيلم عند بيرجمان على الرغم من تعمد المخرج السويدي وصف الحالة والأزمة و فقط ، فإلى جانب علاقة بيرجمان الشائكة مع النساء كان الأكثر أهمية هو والد بيرجمان القس اللوثري ، في نهاية الفيلم لم يتغير شيء عن بدايته ، وإن كان العدد أقل ، موقف شهده بيرجمان بنفسه ، حيث اضطر والده إلى إعطاء عظة في كنيسة تكاد تكون خالية متعللاً بأن "على المرء فعل واجبه – خاصة خلال سياق روحي – حتى لو كان ذلك بلا معنى" .

الموسيقى غائبة في الفيلم لترادف الجفاء ، فكانت التراتيل والموسيقى المصاحبة تصطنع صفاء وتناغم غير موجود ، كاميرا سفن نيكفست صورت ببراعة العزلة التي تعيشها شخصيات الفيلم ، كما أن مصور بيرجمان المفضل أرشد المشاهد – كالعادة – عما يجب رؤيته داخل الصورة ، على الرغم من سوداوية بيرجمان وشخصياته المعتمة ، لكن السخرية كانت في عنوانه السويدي ، الذي يعني (المتناولون أو المتواصلون) ، بينما الفيلم لا يوجد به سوى فقدان التواصل بين البشر وبعضهم ، وبينهم وبين السماء .

الفتاة الملحدة ليس لديها أزمة تتعلق بالرب ، لكن أزمتها تتعلق بالحب ، لذا كان من المنطقي أن تكون صلاتها لإله لا تؤمن به من أجل رجل لا يحبها ! ، بينما أزمة الحب داخل القس أطاحت بالرب ، وابدلت التسامح بالصلف ، تقرحات يد الفتاة ترجح عكس ما سبق ، وأن المسيح في هذا الفيلم ليس القس ، إنما الفتاة نفسها ، مارتا التي تعذبت كثيراً بداعي الحب والعزلة ، بينما يقابل هذا الحب بصمت القس ، لك أن تعتقد ما الذي يمثله القس – الشاكي من صمت الإله – بصمته ، كيف يلومونه على الصمت وهم الصامتون !

"على الرغم من معتقداتي وشكوكي – التي لا أهمية لها بهذا الخصوص – أعتقد أن الفن فقد محرك إبداعه الأساسي عندما تم فصله عن العبادة ، تم قطع حبله السري ويحيا الآن حياة عقيمة .. يولِّد ويحط من قيمة ذاته ، في الأيام السابقة ظل الفنان مجهولاً بينما عمله كان لتمجيد الرب" – بيرجمان