الخميس، 18 ديسمبر، 2014

The Gospel According to St. Matthew

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : إنريكه إيراثوكي ، مارغريتا كاروزو
إخراج : بيير باولو بازوليني (1964)

"كل ما أريده أن تنظر حولك لتلاحظ المأساة ، ما هي المأساة ؟ ، المأساة أنه لم يعد هناك أي إنسان ، هناك فقط بعض الآلات الغريبة تصطدم ببعضهم البعض" – بازوليني

يبدو أن بازوليني الشاعر كان مؤمناً بأن على القارئ الوقوع في غرام القصيدة من أول سطر ، منذ أول لحظة في الفيلم – وجه العذراء – لا يمكنك تجنب الصورة الآسرة ، فيكون التحدي الأصعب – عند أكثر المشاهدين تحفزاً – هو التركيز مع المحتوى عندما يكون المظهر بهذا الجمال .

يظهر الملاك ليوسف بعد بداية الفيلم الصامتة ليتكلم ، يتم كتم صوت الأطفال الذين يلعبون بالخارج ، لا يوجد حوار بين يوسف ومريم ، فقط تبادل نظرات ، في حين أن الرب احتاج للكلمة ولم يتوقف طول الفيلم عن الكلام ، يُثبت بازوليني صحة فرضيته بأن الوجوه الخالية من التعبير يمكنها أن تكون أكثر تعبيراً ، الصمت بالإضافة إلى الممثلين غير المحترفين الذي استعان بهم بازوليني ساهموا في تأصيل الجانب الوثائقي الذي أراده لفيلمه ، بالتوازي مع التناول الشاعري لسيرة المسيح ، الكاميرا المحمولة لعبت دور درامي  في دعوة المسيح ، حيث كانت مهتزة في أوائل الدعوى لكنها أصبحت أكثر ثباتاً شيئاً فشيئاً ، عند مقتل يوحنا المعمداني مثلاً عاد إلى الكاميرا المحمولة لترادف الحالة النفسية الهائجة ، فكانت الكاميرا المحمولة مصورة للجانب الإنساني للمسيح ، بينما الكاميرا الثابتة مصورة للجانب الإلهي منه .

من الصعب مشاهدة الفيلم وتجنب ملاحظة ماركسية المسيح كما صوره بازوليني ، قد سبب هذا بعض الضيق عند بعض النقاد المؤمنين والماركسين كذلك ، لاستشعارهم أن بازوليني لم يكن صادق للقضية كفاية ! ، فيلم بازوليني يقول بأن الدين الذي أتى به المسيح هو دين الفقراء ، خلال موعظته اختار بازوليني من الإنجيل ما يخدم هذا الغرض ، وعرض الموعظة بطابع وثائقي كأنه منوعات ومقتطفات من حديث ثائر سياسي / ناشط عمالي / زعيم تحرري ، عندما ذاع صيت المسيح صوره بازوليني بمقاييسنا الحالية وكأنه مغني شهير أو لاعب كرة ، بحيث صور شغف الناس به كما نرى الحال مع عشاق النجوم في التلفاز ، صورة الجنود الرومان مثلاً وهم يشكلون حاجزاً بشرياً كي يمنعوا المعجبين من الوصول إلى المسيح .

أثناء محاكمة المسيح تصور الكاميرا المحاكمة من بعيد ، الكاميرا خلف الناس بمن فيهم من أتباع المسيح ، بازوليني يريد وضع العبء على كاهل الناس المشاهدين السلبيين ، وليس على عاتق الكهنة الذين يخططوا لصلبه ، يستعير بازوليني في المشهد أساليب سينما الحقيقة cinema verite محاولاً دمج المشاهد مع الحدث ومستنطقاً الحقيقة ، لم يرحم بازوليني كذلك تلاميذ المسيح الذين تبرأوا منه ، واصدر عليهم حكمه سينمائياً من وجهة نظر أخلاقية وليست دينية .

بعد أن أحدث فيلمه القصير La ricotta الكثير من الضجة بسبب سخريته من الفساد الديني والاجتماعي والروحي في المجتمع الإيطالي ، تم الحكم على بازوليني بالسجن لمدة أربع أشهر ، لكنه دفع الغرامة اللازمة ولم يقضي العقوبة ، الفيلم القصير عرض مجتمع يدعي المسيحية طوال الوقت لكنه يجوّع الفقراء والمحتاجين ويقسوا عليهم ، ولا يكتفي بذلك لكنه يقوم بكل تلك الأمور ساخراً مزدرياً محافظاً على جماله السطحي في مقابل قبحه الداخلي ، بابا الفاتيكان قرر أن يدعو الفنانين الغير كاثوليكيين للحوار ، كان الزحام في المدينة شديداً بسبب زيارة البابا ، فاضطر بازوليني للمكوث في حجرة الفندق ، وجد داخل الغرفة نسخة من الإنجيل فقرأها وقرر إنجاز فيلم عن حياة المسيح طبقاً لإنجيل متى الذي يوافق رؤيته الفنية ، وكان له ما أراد وبالطريقة التي أراد ، حيث أخذ السيناريو والحوار بالكامل من الإنجيل ، فيما بعد سيقول الشاعر بازوليني : "الصور لا يمكنها أبداً الوصول إلى المرتفعات الشعرية للنص" ، زار بازوليني الأراضي المقدسة لدراسة إمكانية التصوير هناك ، لكن وجدها تجارية صناعية أكثر من اللازم ، فاختار التصوير في مقاطعة إيطالية فقيرة ، لاحقاً سيصور ميل جيبسون فيلمه The Passion of the Christ في نفس المكان .

أحد الصحفيين سأل بازوليني كيف له – وهو غير مؤمن – بأن يصنع فيلماً عن الإيمان ، كان جواب الإيطالي : "يبدو أنك تعرفني أكثر مما أعرف نفسي ، قد أكون غير مؤمن ، لكني غير مؤمن يحمل حنيناً للإيمان" ، قد يكون الفيلم بالفعل من صنع شخص غير مؤمن لكنه من خلال عينين شخص مؤمن ، قبل عرض الفيلم تجمع الجمهور لتعبير عن استيائهم من بازوليني وفيلمه ، لكنهم بعد الفيلم هتفوا له ، ولم يقتصر الأمر على ذلك لكن الفيلم كذلك حصل على جائزة الفيلم الكاثوليكي الدولية .

معظم طاقم التمثيل من غير المحترفين، بينما كانت (مريم) – في صورتها العجوز – أم بازوليني نفسه ، من أدى دور المسيح كان طالب اقتصاد أسباني لديه فقط 19 عاماً ، وقد قابله بازوليني في أحد المحافل السياسية وعرض عليه الدور مباشرة ، جدير بالذكر أن الشاب الأسباني كان أيضاً غير مؤمن ! ، الاختيار الموفق – من وجهة نظري – حقق للفيلم نجاحاً كبيراً في تصوير المسيح الغريب عن ملكوت الأرض .

بازوليني لم يهتم كثيراً بالدقة التاريخية ولكن بالصورة الشعرية ، فآثر البعد عن كل ما قد يسبب شعوراً بالغرابة ، وإن كان صحيحاً تاريخياً ، مثلما فعل تاركوفيسكي في Andrei Rublev ، من أجل الوصل إلى تلك الصورة الشعرية قرر بازوليني أن يصنع خليطاً بصرياً ، ويستعين بمراحل مختلفة من الفنون التشكيلية والرسم الديني ، فيقول : "الفيلم عن حياة المسيح بالإضافة إلى 2000 سنة لاحقة من قص حياته" ، المخالفة الكبرى التي اقترفها بازوليني بصدد الفن الديني كانت في شخص المسيح نفسه ، حيث كان تصور الإيطالي مختلف تماماً عن أغلب التصورات عن المسيح قوي البنية ، فاختار بازوليني شخصاً هزيلاً مما جعل بعض النقاد الخبثاء يرون أنه اختاره لأنه يُشبه جيفارا .

شريط الصوت كذلك كان غنياً ومتنوعاً ، اختيارات بازوليني كانت لها صلات روحية من كل مكان حول العالم ، لمحاولته بأن يصنع أصالة لفيلمه لا تعود إلى أصل واحد ، ولكن لأصل كل واحد ، استخدم الفيلم الموسيقى الكلاسيكية – آلام (متى) لـ(باخ) بالتأكيد – كما استخدم أغنية روحية أمريكية (أحياناً أشعر كأني طفل بلا أم) ، الأغنية لها العديد من الطبقات أولها حنين طفل أفريقي إلى أمه بعد أن تم بيعه كعبد في أمريكا ، لكن الأغنية لها بعد آخر أكثر شمولاً هو حنين الأفارقة بوجه عام إلى العودة إلى أفريقيا الأم ، ثم جاء بازوليني ليضيف بعداً آخراً وهو حنين المسيح إلى ملكوت السماء بعد أن شعر بالاغتراب في الأرض ، ربما يقصد بأنه ليس حنين المسيح وحده بل حنين كل شخص ، أو كما قال بازوليني بأن لديه حنين للإيمان ، استخدم أيضاً بازوليني تراتيل كونغولية بديعة ومبهجة في لحظات مهمة في حياة المسيح ، التنوع الأسلوبي والمصادر المتعددة أكسبت الفيلم قوة لا أعتقد أن يصل إليها أي فيلم آخر يتناول حياة السيد المسيح .

"كنتُ في العشرين .. لا في التاسعة عشر
لكني كنتُ حياً لمدة قرن
حياة كاملة اُستهلكت بألم الحقيقة"

بازوليني شاعراً