الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

Point Blank

كتب : عماد العذري

التقييم : 4.5/5

بطولة : لي مارفن ، أنجي ديكنسن
إخراج : جون بورمان (1967)

لي مارفن كان في ذروة نجوميته عام 1966 عندما بدأ بتصوير هذا الفيلم ، كان قد كرّم للتو بجائزة أوسكار أفضل ممثل عن دوره المزدوج في Cat Ballou حيث الخيارات المتاحة أمام الممثل لا تعود كسابق عهدها قبل الجائزة ، و هذا التفصيل ربما كان فجاً بطريقةٍ مدهشة مع لي مارفن ، عامه التالي منحه أهم فيلمين في مسيرة نجوميته : The Dirty Dozen و Point Blank .

مارفن كان منجذباً لرواية دونالد ويستليك The Hunter التي اقتبسها أليكساندر جيكوبز ، أعجب بالرواية أكثر بكثير من اعجابه بالنص ، جذبته الشخصية كما فعلت بجون بورمان صانع الوثائقيات العامل في BBC و الذي لم يخرج سوى عملٍ سينمائيٍ وحيد ، اجتماعٌ واحدٌ بينهما كان كفيلاً لتحويل المشروع إلى واقع ، قدِم البريطاني الشاب ابن الرابعة و الثلاثين إلى هوليوود غير عابئٍ برهبتها و تأثيرها ، عمل وفقاً لشروطه و رؤيته التجريبية لسينما جديدة مختلفة عما سبقها ، و أنجز فيلمه كما أراد محققاً واحداً من أهم كلاسيكيات الصنف و أحد أكثر الأفلام تأثيراً في موجة السبعينيات الإنقلابية .

الحكاية عن ووكر و صديقه مال ريس ، لصان يسطوان على حقيبة نقودٍ لإحدى العصابات التي تستخدم سجن جزيرة الكاتراز الشهير كموقعٍ لعملياتها بعد بضع سنواتٍ على اغلاقه ، بعد العملية يقرر مال ريس الاستئثار بالمال لنفسه ، يطلق الرصاص على صديقه ووكر و يأخذ زوجته لين و 93 ألف دولار هي حصة شريكه المحتضر .

عظمة هذا العمل برأيي تكمن في أربعة جزئيات : الأولى هي براعة نصه على مستوى السرد و حالة التشويش التي يخلقها من خلال حكايةٍ لا تعدو أن تكون في الكثير من تفاصيلها مجرد خيالات رجلٍ يحتضر ، و الثاني هي طبيعة شخصية الأنتي هيرو التي يخلقها في ووكر و المساحة التي تتحرك فيها بين الملامح التقليدية للبطل في أفلام الجريمة و بين حالة الجبن التي تطبع علاقتها برغباتها ، و الثالث هو حالة الاحياء التي أحدثها في وقوفه بين القديم و الجديد لإعادة تشكيل ملامح مختلفة لفيلم النوار التقليدي ، و الرابع قيمة الأثر البالغ الذي أحدثه أواخر الستينيات - رفقة Bonnie and Clyde الذي أطلق قبله بثلاثة أسابيع – في فتح الباب على مصراعيه أمام سينما هوليوودية جديدة و متمردة و مختلفة سرعان ما فرضت وجودها بوضوح في عقد السبعينيات على أيدي مخرجين طموحين لطالما قدروا هذا العمل كثيراً ، لعل أبرزهم مارتن سكورسيزي و برايان دي بالما .

في هذا الفيلم يتأثر بورمان بشكلٍ ملحوظ بالموجة الفرنسية الجديدة الضاربة ذلك العقد و يترجم ذلك التأثر من خلال الكيفية التي يخلق من خلالها هذه النظرة السريالية في رجلٍ مغدورٍ يحاول الإنتقام من صديقه الخائن و ممن يقف وراءه ، بورمان يضع هذا التفصيل و هذا الإهتمام في الواجهة كي يصبح ملجأ بصرياً للمشاهد يمنحه الثقة بأنه لا يشاهد شيئاً تقليدياً بمفهوم الصنف ، في الواقع هذا يبدو فعالاً برأيي ، و من الصعوبة على المشاهد تجاهل إحساسه بأن الفيلم لا يبدو مجرد فيلم جريمة عن رجلٍ ينتقم من صديقٍ خائن .

في العمق تختلف الأمور قليلاً ، يبقي بورمان مشاهده – ببراعةٍ أقدرها كثيراً – معلقاً بين الشك و اليقين حول طبيعة ما يشاهده ، هل هي بالفعل رحلة رجلٍ مغدور يحاول الإنتقام من صديقٍ خائن و منظمةٍ إجراميةٍ تقف وراءه ، أم أن ما نراه – مدعوماً بشواهد عدة – لا يعدو كونه خيالات رجلٍ يحتضر في زنزانة بعدما تلقى بضع رصاصاتٍ من أقرب أصدقاءه ، هذا عظيم و هو أكثر ما أقدره في النص ، منذ لحظات الفيلم الأولى يخلق بورمان ذلك التشويش بين الشك و اليقين ، صورة ووكر المغدور مرمياً في الزنزانة و التي يقطع عليها بورمان من حينٍ لآخر ، كلام مال ريس الذي يتكرر على لسان ووكر فيما يشبه الحوار الداخلي ، عبارة (هل حدث هذا فعلاً ؟ أم أنه مجرد حلم ؟) التي نسمعها على لسان ووكر المرمي في الزنزانة قبل إنطلاق الحدث ، بورمان من خلال النبرة الهلوسية العالية التي يسبغها على تتابعات حكايته يمنح الصورة المشاهدة مذاقاً سريالياً واضحاً و غير اعتياديٍ في فيلمٍ من هذا النوع ، تتلاشى تماماً حدود الحقيقة فلا نعود ندركها ، صحيح أن هذا يتحقق أولاً من خلال نص جيكوبز و رفاقه ، لكن بورمان الذي من السهل التقاط مدى تأثره الواضح بالموجة الفرنسية الجديدة يزيد من سريالية الحكاية من خلال الشكل البصري المختلف الذي يضعها فيه و الذي ربما قد يكون من الصعب إدراك الطابع الخيالي للحكاية بدونه ، نرى ووكر يعود إلى الجزيرة على متن مركبٍ سياحي نستمع فيه لصوت الدليل السياحي متحدثاً عن حظوظ النجاة الضئيلة لأولئك الذين حاولوا الهرب من ألكاتراز بالتزامن البصري مع رؤيتنا لووكر ينجح في الوصول إلى الشاطئ بعد نجاته – الإفتراضية – مما جرى له ، على المركب يحصل الظهور الهزلي لشخصية يوست الغامضة التي لا نعلم عنها شيئاً ، المشهد الطويل للممر في مطار لوس أنجلوس و تتالي أصوات خطوات ووكر الذي ينتهي بمشهد اقتحامه لمنزل زوجته ، ثم تكرار مشهد الإقتحام أثناء حلم ووكر في المنزل ذاته ، النص يحتاج من حينٍ لآخر للتأكيد على هذا الطابع السريالي للحكاية التي يسردها ، و بورمان يتجاوب بصرياً مع ذلك التأكيد من خلال المونتاج و شريط الصوت و الكادرات الفارغة و منظومة الألوان التي يتبناها و التي تمنح الشخصيات عزلتها و اطارها و تمنح المشاهد إحساساً تأكيدياً على أن ما يجري من الممكن ألا يكون حقيقياً ، نشاهد تدريجات الرمادي تطغى على متواليةٍ ما ، ثم تدريجات الأخضر في متواليةٍ أخرى ، فالأصفر و الأحمر ثم الأبيض ، و بالطبع لا نغفل التفاصيل السردية ذاتها التي يجعلها بورمان تتضح على الشاشة كما يحدث مثلاً عقب انتحار لين زوجة ووكر و رؤيته ليوست خارج نافذة المنزل ، ثم اختفاء لين الميتة في سريرها ، ثم اختفاء أثاث المنزل ، و الزاوية الخالية التي ينزوي فيها ووكر و كأنما هو في زنزانته ،  بورمان يستغل ذكاء مشاهده في التقاط تلك التفاصيل ليجعلها بالغة الأثر في الحس الهلوسي الواضح للحكاية .

الحس الهلوسي للحكاية يعززه بناء شخصية ووكر ذاتها ، أنتي هيرو فيه الكثير من ملامح الهيرو الذي يستطيع استمالة المشاهد في صفه بعيداً عن حقيقة كونه مجرماً في صراع ذئابٍ مع بعضها ، شخصية ووكر - و بإستثناء مشاهد الفلاشباك مع زوجته - لا تسمح لنا بسبرها ، ليس لها دواخل يمكن الغوص فيها ، لا نعرف شيئاً عن مقدار غضبها أو حقدها الذي تغلفه بموضوع الـ 93 ألف دولار ، يبقى أشبه بجبل الجليد ، غضبه المفترض يترجمه من خلال المغامرة ، بقدر ما يتوغل و يغامر ندرك مقدار الغضب الذي يتملكه و الرغبة التي تستحوذ عليه ، هذا التفصيل يستمر مع الشخصية إلى النهاية ، و توغلها في مغامرتها لا يعني أن النص سيكشف لنا جزءاً من دواخل الشخصية بتقدم الحدث ، تعامله العنيف تجاه زوجته و الرصاصات الست في فراشها الخالي هو نوعٌ من الإنعتاق عن حبٍ ما يزال موجوداً بالرغم من الخيانة ، ووكر يعبر عن رفضه لما جرى من خلال ان يكون عنيفاً ، و اندفاعه مع شقيقتها هو جزءٌ من التعويض الغريزي عن ذلك من خلال مكافىء زوجته التي تقف الآن إلى جواره و تسانده ، حتى الـ 93 ألف دولار نبدأ تدريجياً في فقدان اقتناعنا بأنها هي من تحركه لذلك لن تبدو لنا النهاية غريبةً عندما يتركها و يختفي ، و طوال الوقت لا يجعل النص من بطله شخصيةً غير قابلة للإصطياد ، ووكر رجلٌ يبدو دائماً في متناول خصومه و المشكلة لا تكمن في عالمه الخاص بقدر ما تبدو في هشاشة العالم الذي يواجهه ، حيث تتهاوى منظمةٌ إجراميةٌ كبيرة بكافة رجالها الخطيرين من أجل 93 ألف دولار و على يد رجلٍ واحد ، و هذا يدعم بوضوح فكرة أن يكون كل ما نشاهده مجرد حلم رجلٍ يحتضر ، و هي فكرةٌ لا يتخلى النص عنها على مدار تتابعات الحدث فيجعل من كل ما يجري متواليةً بصريةً صنعها خيال ووكر إرضاءً لطموحاته في تلك اللحظات الختامية ، أن يحقق شيئاً مهماً يرضيه ، ليس فقط من خلال الإنتقام من صديقه الخائن ، بل من خلال تدمير المنظمة الإجرامية التي تقف وراءه ، و التي تحمل اسماً هزلياً بوضوح هو : المنظمة ، لذلك يبتكر ووكر شخصية يوست لتصبح دافعه فيما يجري ثم يقتل علاقته بها في الختام متخلياً عن الـ 93 ألف دولار التي حركته من البداية و لم تعد تعني له شيئاً الآن ، في المشهد الختامي يتلاشى ووكر في الظلام على ارتقاء كاميرا بورمان لتطل من بعيد على ألكاتراز حيث يفترض أن يكون ووكر مرمياً هناك يحتضر ، و اختفاءه هنا في الحكاية التخيلية قد يكون ربما كنايةٌ عن نهايته و موته الذي يتحقق كما أراده .

و بقدر ما أجاد النص في خلق الحالة السريالية بما يتناسب مع بناءه المدروس لشخصية بطله الغامض يجاريه بورمان إلى أبعد حدٍ في ذلك ، تجديده البصري هنا شيءٌ مقدرٌ فعلاً ، مزيجٌ من التجريب الأوروبي و عنف أفلام الجريمة الأمريكية ، على صعيد الشخصية يعزل بطله بصرياً و يعزز من صورته الشبحية و يولد فينا كمشاهدين الشعور المطلوب بالإنعكاسات الذهنية لتجربة البطل القاسية ، تشوش ذاكرته يصل حرفياً للمشاهد من خلال الصورة و المونتاج و شريط الصوت ، الذاكرة مع بورمان هنا جزءٌ من النسيج الذي يشكل الحدث لدى الإنسان ، جزءٌ من صميم دوافعه و جزءٌ لا يتجزأ من شخصيته ، هناك ربطٌ دائمٌ على مدار أحداث الفيلم بين الماضي و الحاضر في شخصيته ، على صعيد الحكاية لا يتخلى بورمان عن الطابع التصنيفي لعمله من أجل بهرجةٍ بصريةٍ يتمناها ، يحقق فيلم الجريمة بطريقته الخاصة ، يدرك أن هذا النوع تحديداً كان مادةً بصريةً خصبةً للموجة الفرنسية التي تأثر بها لذلك يتماهى مع هذه الحقيقة و يكسر هنا صورةً نمطيةً كان فيها أكشن الجريمة يقف إما على هامش الصورة أو أن يكون جفافها و الجزء الثقيل فيها ، مع بورمان أكشن الجريمة هو جزءٌ جذابٌ من هذه الصورة الإسمنتية الجامدة ، جزءٌ نهتم له بمقدار الحكاية ، يرضي مشاهديه بفضل تنوعه ، نشاهد الإقتحام المسلح ، و التهديد من خلال قيادة سيارة ، و القناص الذي ينتظر فريسته في مكانٍ مفتوح ، و بالتأكيد المواجهة الشهيرة على سطح البناية ، و هذا ما يفسر الأثر البالغ الذي أحدثه في شكل فيلم الجريمة حينها ، يقف بوضوح بين عصرين عظيمين لها : روح النوار الأربعيني بكل ما بقي منه أواخر الستينيات ، و ملامح التجديد الهوليوودي الذي بلغ مجده لاحقاً على يد جيل السبعينيات العظيم ، بورمان يتباطأ هنا على المشهد و يمنح مساحةً واضحة للتشويش البصري للإستيلاء عليه بصورة غير اعتيادية اطلاقاً في هذه النوعية من الأعمال ، و هو تشويشٌ يدعمه العمل التصويري العظيم من فيليب لاثروب الذي يوظف أفكار النوار التقليدية في خدمة صورةٍ مجددةٍ تنتمي إلى السينما الأوروبية بقدر انتمائها لهوليوود ، دون أن نغفل المونتاج العظيم لهنري بيرمان الذي يحقق لهذا النفس السريالي للنص لعبة البازل التي يستحقها .

برأيي الشخصي من الصعوبة تقدير قيمة Bonnie and Clyde أو هذا الفيلم بعيداً عن التأمل في نوعية الأعمال التي كانت هوليوود تنتجها قبلهما ، و كم الإختلاف الذي أحدثاه لاحقاً ، جون بورمان مخرجٌ انتمى زمنياً لموجة الشباب الغاضب في بريطانيا و التي أنتجت واحدةً من أجمل موجات السينما على الإطلاق ، فيلمه هذا عن نوعٍ مختلفٍ من الغضب يتم تفريغه في الأنفاس الأخيرة لشخصٍ خسر كل شيءٍ من أجل لا شيء ، عملٌ سينمائيٌ مهمٌ جداً و بالغ الأثر على انبعاثٍ هوليووديٍ عظيم حدث خلال السنوات القليلة اللاحقة .