الأحد، 28 ديسمبر، 2014

Goodbye to Language

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4/5

بطولة : إليويز غوديه ، كامل عبدلي ، ريتشارد تشيفالييه
إخراج : جان لوك غودار (2014)

"لا ترسم ما نرى , لأن ما نراه لا شيء , و أيضاً ليس ما نستطيع رؤيته ، أرسم دائماً ما لا نراه !" - كلود مونيه

في وداعه للغة السينمائية التي عرّب بها دَور السينما التي سبقت الموجة الفرنسية الجديدة كوسيلة لكشف المستور , يبدو أن غودار يهدم كُل القيم السينمائية خلال النصف الثاني من عمره المهني أيضاً ليعيش على أنقاض الإيجاز و الرمز في عرض الحقيقة , ما زال يؤمن بأن تفاوت مجموعة صور فردية يُمكن أن يؤدي لسرد أكثر قيمة من عرضها بتسلسل منطقي , بل ما زال يبتكر طريقة مونتاجية جديدة لتهميشها و عرضها بأكثر الأشكال أيجازاً للفكرة .

غودار لا يزعجه استعمال (الكلمات الكبيرة) لكنه يُدرك أن (الاستعارات الصغيرة) عن الأفكار و العلاقات في سينماه لها وقع أفضل على مُشاهد القرنين , و نعم .. قد يتملكه الإرباك في البداية لكنه في نهاية الأمر سيجد ذلك أكثر صحة و أكثر بساطة من حَذر الأساليب الملتوية الحالي !

غودار القائل بأن السينما هي أفضل تقنية لكتابة تاريخ القرن - كما جاء في كتابه (آثار السينما و ذاكرة قرن) - يوظف في عمله الأربعين ما يراه الأمثل (كاميرا هاتف محمول , عرض ثُنائي و ثلاثي متوازي) في هدم هذه التقنية لإيصال أفكار مُحددة عن عالمنا المُعاصر من خلال علاقات مُفككة بين مجموعة أفراد و كلب ! .. و رغم كون الصور تبدو تالفة , مُستعملة , أو كأنه ألتقطها بكاميرات مراقبة من نوع ردئ صغير الحجم , فإن رائد الموجة الذي جاوز الثمانين ما زال يحمل بصمة المُعلم التي يحسدها عليه الكثير , يضفى تجانساً على هذه الصور التي يراها روائية في أصلها ليتركها غامضة في طريقة عرضها ؛ لم تعد مُهمتهُ تتمثل في اكتشاف الصور المختفية تحت الصور فقط , بل في جمعها معاً و وضعها على سطح شاشة لا يمكن التمييز بينها و بين شاشة الكمبيوتر !

رسالة غودار في خلقه لهذا الجسد الفرانكستايني و بثّه للروح فيه تتمثل أيضاً بانتفاضته على اللغة السائدة في وسط أصبح في جزء كبير منه يهدف الى أثارة العقول بدلاً من استثارتها و أن يحقق ما يفيض عن حاجة بعض القائمين عليه للاستمرار في عمل مزيد , بأن يتمرد على تقنيات الماينستريم عالية الجودة (صوتاً و صورة) ليستغلها في عمل شريط ممول ذاتياً عن تفصيل عادي في حياة عادية ! ، كُل هذا الارتجال المُخالف للتيار السائد يُجسد فكرته التشاؤمية عن عجز التواصل المُجتمعي و إستناد الأفراد بشكل مأساوي على سلطة الآلة العُليا في تحديد الوجهة و رسم مصير البشري   !

لا أريد إطالة الحديث عن دقائق هذه الساعة السينمائية التي أكسبت صانعها جائزة لجنة تحكيم كان المُنصرم , فـ (غودار) يجعلها أشبه بالفوضى المرئية التي تتركها خطوط عشوائية في ورقة مُتكدسة بها أو بتكتل الغيوم في سماء مُزدحمة بها , كُلٌ يراها بشكل مُغاير للآخر كما أنه سيرسم في مُخيلته شكلاً مُغايراً لسابقه كُلما أعاد النظر فيها بعد ذلك ! ، رٌبما سأكتفي بالقول : بالنسبة لسينمائي أعتاد السباحة عكس المد الجاري منذ أن أمسك بكاميرا , فإن هذا وداعٌ سنتذكره فيه طويلاً .