الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

Antonia

كتب : فراس محمد

التقييم : 4/5

بطولة : فيلكيه فان آميلروي ، يان ديكلير
إخراج : مارلين غوريس (1995)

عادت انتونيا لقريتها بعد الحرب , القرية كما تركتها لم تتغير , حتى الحرب لم تستطع أن تغيرها , ولكن كان فيها بعد ما عاشته في الحرب بوادر للتغيير , أنتونيا حركت وحرضت كل رغبات التغيير عند أهل هذه القرية , هذه النوعية من الافلام التي تتناول مجتمع الريف وعاداته غالباً ما يصور بالشكل الذي يزاوج بين بساطتها وجمالها وبين عدم قدرة سكانها على الاستمتاع بها (دوماً تنتظر زائراً من الخارج يعيش المتعة الحقيقية لحياة الريف) ، بقدوم انتونيا بدأت الحياة تتسرب لها , وتنقلب راساً على عقب , قصة انسانية تبرز ايجابية الحياة , تصوير دورة الحياة ومنحنياتها , هذا الفلم يملك عدواً واحداً هو الزمن , الذي عبره نرى تذبذب خط الحياة البياني بين ذروتين , الحياة , والموت .

انتونيا بنت اسرة متماسكة , عاشت الحياة التي تريد أن تعيشها دون قوانين أو ضوابط , برفقة ابنتها وحفيدتها وابنة حفيدتها , ووصلت ايجابية هذه الحياة التي عاشتها للمستوى الذي لا يمكن تخطيه , فبدأ الخط البياني بالانحدار , فالاستمرارية غير ممكنة , الفلم يطرح سؤالاً , هل في ذلك نقمة أم نعمة , هل من العدل ان تكوّن انتونيا عائلتها بكل هذه الحب لتراها تتداعى مع مرور الزمن , هل من العدل أن يكون هناك تداعي اصلاً , شخصية الرجل الزاهد التي رافقت انتونيا وعائلتها طيلة أحداث الفلم كان يدرك ذلك قبل ان يحدث , وكان ينظر للحياة نظرة تشاؤمية غير مفهومة لأغلب افراد هذه العائلة , لكنه كان الوحيد بينهم من سلك الطريق الأقصر للحياة , فلا كوّن اسرة يحزن لفقدانها , ولا آمن بربٍ سيسلبه حياة منحه اياها ولن يلومه على شيء , كل ما قام به أنه اعتزل مكتبته , وكون خلالها رؤيته عن الحياة التي لابد ستنتهي بالموت , بهذا الطريق المسدود الذي دوماً يعيد الدائرة المغلقة لنقطة الصفر وكان يرى في ذلك امراً غير منطقي .

المعضلة التي يتحدث عنها الفلم تكمن في أنه صور حجم الايجابية التي من الممكن ان توفرها الحياة لمن يريدون عيشها , وبنفس الوقت جعلتنا نراهم كيف يخسرونها رويداً رويداً بفعل الزمن , فهل هذا الفلم هو فعلا يحتفل بالحياة , ام يرثيها , هل يقدم سبباً لعيشها أم على العكس , يصور مدى عبثية حياة لا نهاية لها إلا الموت , ولكن رغم ذلك , ورغم تصويره لهذه العائلة منذ تأسيسها وحتى بدأ الموت يهدد افرادها , فأن الحياة تولد من الموت ، و أن السعادة والحب وبناء عائلة وتكوين صداقات ماهي إلا وسائل مؤقتة ولحظية لعيش أجمل ما في الحياة , هذه تمثل الفرص التي تعرضها .

لكن الفلم لم يكتفي بمناقشة ما كسبته انتونيا في حياتها وما خسرته , بل صور حجم السعادة التي تأتي بها حياة (يُرغب بعيشها) , فعندما انتهت الحرب , وعادت انتونيا , كانت قريتها مليئة بالنماذج السلبية , كنيسة متزمتة في احد اطرافها , أخ يغتصب اخته في حظيرة الحيوانات , عاشقان غير قادرين على الزواج بسبب اختلاف طائفتهما الدينية , رجل معاق يتعرض للإهانة , ولكن الفلم بدأ يغربل هذه الشخصيات رويداً رويداً مع تقدم احداثه , وجود انتونيا المحبة للحياة والتي اعادت للقرية شيئاً من ذكرياتها , دفعت أهل القرية للميل لها ولبساطة الحياة التي تعيشها وسعادتها , القس ترك الكنيسة وتزوج وانجب اطفال , العاشقان بعدما ماتا تشاركا قبراً واحداً , المغتصب ترك القرية ورحل , الرجل المعاق كون اسرته هو الآخر , والجميع بحث عن السعادة التي أرادها و وجدها , و كثف الفلم من هذه الفكرة بتصويره لعدة اجيال من هذه العائلة , وكلما ولد جيل , كلما بدأت الحياة تأخذ منحىً آخر , فالولادة تعني بالمقابل الوداع , وبهذا الوداع , بدأت انتونيا قصتها .

هذه النوعية من الأفلام لا يوجد حل وسط معها , فإما أن تكون قادرة على ايصال هذه النوعية من الأفكار بإشباع وسلاسة دون ان تفقدها عمقها , وإما ان تكون فارغة وتتحول فيها (الحياة) لسوء فهم و ايجابية مصطنعة , ورغم اني لم أكن متحمساً فعلاً لهذا الفلم كونه نال أوسكار أفضل فلم أجنبي لعام 1995 , بإعتبار أني شاهدت عدة افلام سيئة تتحدث عن ذات الفكرة وكانت قد نالت ترشيحاً اوسكارياً أو ربما تمثالاً , إلا أن هذا الفلم يمثل فعلاً احد قرارات الأوسكار الصائبة .