الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

Ten

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

بطولة : مانيا أكبري ، أمين ماهر
إخراج : عباس كيرستامي (2002)

ليس من الجيد وصف ما قام به كيروستامي في هذا الفلم بالجنون او التجريبية ، بقدر ما يفضل ان نفهم العقلية التي جعلت عباس يضع كاميرتين ديجيتال في السيارة وإطلاقها لمدة 40 ساعة في شوارع طهران دون ان يكون موجوداً ، ومن تلك الساعات الاربعين اختار المشاهد العشر التي شاهدناها والتي تساوي ما يقارب الساعة والنصف ، ما يمكن الخلوص له من هذا الفلم أن كيروستامي يريد ان يتحدث عن السينما كحالة لا يمكن التنبؤ بها , الحصول على اللحظة التي لا يمكن التحضير لها , والتمكن من امساك المعنى الذي لا يمكن كتابته في السكريبت ، اقتناص التلعثم , الحركة اللاإرادية , الكلام الغير مُحضر , الغضب وارتفاع وتيرته اثناء الحديث عن الامور المزعجة , اي صدق ما يحدث .

منهج كيروستامي في هذا الفلم يقوم على اعطاء شخصياته الصلاحية للحديث عما يمكن وصفه (بكسر اي وسيط بين الشخصية والمُشاهد) ، شخصياته عندما تتحدث بلسانها , فهي لا توجهه نحو الكاميرا ، بل لنفسها , فالمشكل في ايران ليس بوصفها او وضعها في اطار قصصي بل عيشها ، وهذا الشعور لا يمكن تجاوزه اثناء مشاهدة الفلم ، انك الراكب الثالث ، الذي يستمع ، وعينيه على الشخصيتين بنفس الطريقة التي تضع فيها الشخصية عينيها على الطريق ، حتى تفاصيل الطريق كانت تؤدي لهذا الغرض ، سواءً الحديث مع المارة , او مشاهدة الشارع من الزجاج الجانبي , او الحفر والمطبات على الطريق ، كيروستامي يعرف ان الكثير من الافلام ارادت ان تخاطب مشاهديها وتلفت نظرهم لنوعية المواضيع التي يطرحها , لكنه هنا يريد من مشاهديه ان يكونوا جزء منها , ايضا هو يعرف ان الكثير من العوائق تعيق السينما من ان تتجاوز الرقابة ، فكان وجود الكاميرا في السيارة بهذا الشكل يمنح شعوراً انك لا تشاهد فلماُ مر على مقص الرقيب ، بل لا يُشعرك اصلاُ انك تشاهد فلماُ , بل اصبح جزء من خلف الجدار ، خلف زجاج السيارة ، هذه العقلية التي يملكها كيروستامي جعلت العشر مشاهد التي قدمها لا تتحدث عن المشكلة ، بل تتخطى هذا الموضوع جزئياُ ، لتصور الجزء الغير واضح من المشكلة وهو محاولة التأقلم معها .

النماذج التي اختارها , والسائقة هي واحدة من اغنى نماذجه ، تتحلى باختلاف متناقض في العقلية , المشكلة تختلف وتتحول من راكب لراكب ، حتى يصبح هناك شك صريح في وجودها ، الشك في معرفة الصح والخطأ ، رؤية الصبي كنموذج عن شاب يؤسس ليكون مجرد (قرميدة في الحائط) ، او العاهرة التي يبدو عليها علامات الرضى الكامل عما تقوم به حتى انه يبدو كفعل انتقامي لم تنفع معها محاولات اثارة الذنب او العقاب الديني بل ان مبرراتها للانتقام اقوى من مبررات رضوخ اي من شخصيات الفلم الاخرى (المميز انها في الفلم لم تبدُ شخصية سلبية) ، العجوز التي تطلب من السائقة الصلاة ، والمرأة التي تنتظر الزواج ، رؤية هذا الكم من التوجهات الفكرية المختلفة يصبح معها التعامل مع المشكلة امراً مستحيلاً ، فلا يمكن حل المشكلة حتى يتم اعتبارها كذلك ، وآخر مشهدين من الفلم صورت طرفي لوح الزجاج , مشهد اعلنت فيه الفتاة استسلامها ، والذي بنفس الوقت يبدو فعل الاستسلام كفعل ثوري رافض ، وفي مشهد آخر يبدو ان الحلقة مغلقة ولا فائدة مما يحدث ، فما يجري داخل السيارة / خلف الجدار ، شيء ، وما يجري امامه شيء آخر ، الغلبة للقوة ، التي لا تعترف بالمنطق او بالرغبات الفردية .

كيروستامي بفعلته هذه لا يهدف (وخصوصاً من خلال عرضه في كان) لأن يأتي بما يحمله الفلم من جدل فكري وديني في ايران لـ "كان" ، بل يريد ان يُخرج ايران من موقعها الجغرافي وان يأتي بها للخارج , بالأحاسيس والافكار الايرانية  التي قد لا تُفهم في اطار آخر ، أو انها اصبحت مفهومة أكثر من اللازم ، رؤيته تهدف لإيصال ما لا يستطيع الفلم السينمائي نقله ، لكنها ايضاً ليست تجربة يمكن اعادتها او تكرارها , هذا الفلم يشبه سرقة هدف في الوقت الضائع , يشبه سرقة لحظات لا يجب ان تتكرر ، فالتكرار يجعلها ميتة يُفقدها صدقها  ، ولهذا السبب اعتقد اكتفى من الاربعين ساعة بواحدة ، وهي تجربة لم يكررها مرة اخرى , وحسنا فعل , لإنها كضربة العصا ، تؤلم اول مرة , يمكن تفاديها في المرات التالية .