الجمعة، 14 نوفمبر، 2014

Ordet

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : هنريك مالبرغ ، إميل هاس كريستنسن ، بريجيت فيدرشبيل
إخراج : كارل تيودور دراير (1955)

"الواقعية في حد ذاتها ليست فن ، لكن لابد من وجود تناغم بين أصالة المشاعر وأصالة الأشياء ، أحاول أن أدفع الواقع لتكوين بساطة وإيجاز ، بغية الوصول إلى ما اسميه الواقعية النفسية" - أستاذ الأساتذة (كارل تيودور دراير) .

القديس دراير سبق له أن أشار إلى أنه قائد حركة فنية ليس لها أتباع ، لكني أعتقد أن أي فيلم وأي مخرج يمكن أن ينتمي إلى ما قد نسميه (السينما الروحية) فهو مدين ببعض الفضل للمعلم الكبير .

الفيلم يأخذنا لريف الدنمارك في منتصف عشرينات القرن الماضي ، مورتن صاحب مزرعة غني أرمل له ثلاث أبناء ، ميكيل الابن الأكبر – لا يؤمن بشيء – متزوج من إنجر ، امرأة دافئة مؤمنة وحبلى بالطفل الثالث ، يوهانس الابن الأوسط والذي تم إرساله لتعلم اللاهوت لكنه عاد معتقداً بأنه المسيح الحي مخلفاً خيبة الأمل لأبيه ، أندرس الابن الأصغر الذي يحب آن بنت الخياط بيتر ، مورتن يرفض زواجهما ، بيتر كذلك يرفض ، عندما يبدو الأمر وكأننا بصدد محاكاة لمسرحية شكسبير روميو و جوليت نجد أن مورتن أصبح يُصر على إتمام الزواج بعد رفض بيتر ، تموت إنجر أثناء ولادة الطفل ، يأتي يوهانس الغائب منذ أيام ليلقي كلمته على إنجر فتقوم حية من النعش.

عمد دراير إلى حركة كاميرا أفقية بطيئة ، الكاميرا قد تذهب بهدوء ناحية اليمين ثم ناحية اليسار في نفس اللقطة ، أحياناً لملاحقة شخصية تتحرك وأحياناً للعودة إلى شخصية ساكنة ، جعل هذا المشاهد طويلة بلا قطع ، والمشاهد الطويلة بدورها أكسبت الفيلم حيوية صبورة لأن "كل فيلم له روح خاصة به" ، أحد المشاهد الطويلة الشهيرة كان المشهد الذي تحاول إنجر اقناع مورتن بزواج ابنه من بنت الخياط ، يمكن دوماً ملاحظة التفاصيل والزمن التي قد يتم إهمالهما عند القطع ، في مقابل مشاهد طويلة تعكس تناغم الكون الخفي ، إيقاع الفيلم البطيء يتناسب مع الحياة الريفية التي يعيشها سكان القرية ، كما أنه إيقاع تأملي له فعل التنويم المغناطيسي يساهم في إبراز العميق من المشاعر رغم قلة تعابير شخصياته ، الإيقاع ساهم في تحقيق مسعى المخرج العظيم للتأثير على المشاهد بترسيخ صورته في قلب المشاهد قبل عقله .

بالطبع لم ينس دراير قديساته في فيلمه (الكلمة) ، فكانت إنجر قديسة بطريقتها الخاصة ، و بالمحبة التي منحتها لعائلتها وإيمانها اللا مشروط .

من متع الفيلم العقلية كانت سخريته من الإيمان الناقص أو ربما عدم إيمان صاحب المزرعة مورتن و الخياط بيتر ، فالاختلاف الديني في المذهب والاعتقاد لم يكن المبرر الحقيقي لرفض هؤلاء الشيوخ زواج الأبناء ، لكن السبب الحقيقي كان الفخر ، الخطيئة الأم والأكثر هلاكاً في معتقدهم ، بيتر رفض الزواج لأنهم أفضل روحياً وأصحاب المعتقد السليم ، رفض مورتن الزواج للسبب ذاته ، ثم تسبب الفخر من جديد في إصراره على إتمام الزواج بعدما تم رفض ابنه أندرس .

إحدى اللقطات الانتقالية العظيمة كانت لعربة مُحمَّلة داخل أرض زراعية ، تحتل الأرض أغلب مساحة الشاشة تم تسير العربة على جسر خشبي فوق مجرى مائي ، التأويل مفتوح لرمزية الأرض والسماء والجسر الخشبي والعربة ، اللقطة كانت بين مشهدين مهمين ، المشهد الأول بين الخياط وزوجته حيث يخبرها عن المكاسب الدنيوية ومكاسب الآخرة ، والمشهد اللاحق يجمع بين يوهانس والقس الجديد الذي يرد على زعم يوهانس – أنه المسيح الحي – بطلب القس الدليل من يوهانس ، يُصدم يوهانس من طلب القس الدليل ويقول أن كنيسته – بوصفه المسيح – قد خذلته ، المسيح نفسه عندما طلب منه الشيطان أن يقفز من أعلى حتى تتلقفه الملائكة فلا يتحطم جسده ، رفض المسيح فعل ذلك حتى لا يكون طلبه المعجزة دليل عن قلة إيمانه .

الأسئلة الإيمانية لا تنتهي عند دراير ، الكلام عن الإيمان في مقابل الإيمان كممارسة ، الأطفال بالإضافة إلى إنجر مؤمنين بلا شرط ، يوهانس نفسه لمسه شك عندما عاد إلى رشده في النهاية ، إنجر المؤمنة بشّرت ميجيل – الغير مؤمن – بدفء الإيمان لأنه يملك قلب سليم ، الخياط تمنى أن تحدث مصيبة لدى مورتن حتى يتوب مورتن و يعرف الطريق الصحيح ، عندما حدثت المصيبة كان الخياط هو من يطلب التوبة ، يوهانس تنبأ بموت إنجر مرتين ، مرة منهما بعدما أنقذ الطبيب حياتها أثناء الولادة لكنها ماتت رغم ذلك ، أن تموت بعد أن استقرت حالتها .. أليس هذا فعل خارق للطبيعة ؟ هل يمكن اعتباره معجزة كذلك ؟

في البدء كانت الكلمة ، يعود دراير إلى البداية .. إلى الكلمة .. إلى المعجزة المتحققة من الكلمة ، يعرض الفيلم لوجهات نظر مختلفة حول المعجزة قبل أن يختتم تحفته بمعجزة ، الزوجة المؤمنة ترى أن هناك معجزات صغيرة تتحقق في الخفاء حتى لا يثار الكثير من الضجة حولها ، الطبيب يؤمن بمعجزات العلم فقط ، القس يؤمن بأن المعجزات لم تعد تحدث حتى لا تخرق قوانين الطبيعة ، كان يمكن ليوهانس – وهو قادر على فعل المعجزات – أن يُثبت لهم أنه المسيح الحي لكنه فعل مثل فعل المسيح عندما طلب منه الشيطان ذلك ، فحدثت المعجزة فقط لزوجين محبين ، فتتحقق المعجزة بالحب لتعكس إيمان دراير أن الحب بذاته معجزة .

"لإنك لم تشأ أن تستعبد البشر بالمعجزة ، إنما أردت أن يجيئوا إليك بدافع الإيمان لا بتأثير العجائب" دوستويفسكيالأخوة كارامازوف .

الطريف هنا أن المشاهد المؤمن يُنكر – بشدة – حدوث المعجزة حتى يمنح دراير البراءة ، بينما المشاهد الغير مؤمن يؤمن – بشدة – بأن المعجزة حدثت حتى يُثبت إدانة دراير ، في رأيي هو تناقض شبيه بما رأيناه عند مورتن و بيتر ! ، دائماً ما يتم ضرب المثال بأن لو كان دافنشي أعلن سبب ابتسامة الموناليزا لمات سحر لوحته ، ولم يكن ليُكتب فيها كل ما كُتب ، فيلم دراير كذلك لا زال يثير الجدل حتى الآن ، وهو نوع من الجدل الطريف في رأيي .

عام 1932 حضر دراير عرض مسرحية القس اللوثري مونك ، ومنذ ذلك الحين وهو يجهز لتحويل مسرحية (الكلمة) لفيلم ، دراير لا يريد أن يجعل فيلمه مسرحية مصورة ، لذا قام بالتخلص من حوالي ثلثي الحوار ، اكتفى بما رآه ضروري ليناسب أسلوبه شديد الزهد .. شديد التكثيف ، رأى الناقد أندريه بازان أن الفيلم هو عرض مسرحية بوسائل سينمائية .. "أنت لا تسجل المسرحية أو تحولها إلى فيلم .. لكن تقوم بتبديلها عن طريق عرضها على أداة جديدة" ، دراير – كعادة الأساتذة – اختار كل شيء ظهر في الفيلم ، بما في ذلك ملابس كل الشخصيات ، وصل به الأمر أن ذهب للتبضع مع الممثلة الرئيسية لشراء جوارب لها ، وتسجيل صوت ولادة طفلها لاستخدامه فيما بعد في الفيلم .

دراير من أمهر وأقدر من استخدم الضوء الطبيعي في السينما لإضفاء أغراض تعبيرية ، كما أنه في بمثابة أب لكل الأفلام الروحية التي أتت من بعد تحفته الأولى The Passion of Joan of Arc ، الناقد جوناثان روزنبام يقول أن أفلام دراير لم تسبق عصره فقط ، لكنها سابقة لعصرنا حتى ، والاحتفاء بها وبجمالها الدفين ستتم ملاحظته في المستقبل ، مواطن دراير الدنماركي لارس فون ترايير ارتدي في افتتاح أحد أفلامه نفس البذلة التي قام دراير بإرتدائها في افتتاح فيلمه (الكلمة) ، بينما في عصر دراير هاجمته الصحافة وقالت أنه عجوز مخرف ! ، على كُلِّ فيلمه (الكلمة) وجد استحسان من قبل الجمهور والنقاد ، وحصل على دب برلين الذهبي .

"لا شيء في العالم يمكن مقارنته بالوجه البشري ، هي أرض لا يمكن أن يتعب المرء من اكتشافها ، في الاستوديو لا توجد تجربة أعظم من أن تشهد تعبير على وجه مرهف تحت تأثير القوى الغامضة للإلهام ، رؤية التعبير يتحرك من الداخل ليتحول إلى شعر" - أستاذ الأساتذة كارل تيودور دراير .