السبت، 15 نوفمبر، 2014

المسافر

كتب : محمد السجيني

التقييم : 3/5

بطولة : عمر الشريف ، خالد النبوي ، سيرين عبدالنور
إخراج : أحمد ماهر (2009)

بدأت فكرة الفيلم لدي مُخرجه أحمد ماهر ، حوّلها الي سيناريو ولم ينجح في الوصُول الي مُنتج لتحويل السيناريو الى عمل سينمائي ، عرض الفيلم علي أحمد زكي و محمود عبد العزيز و محمود حميدة ، لكن فشل أيضاً ، واستطاع خالد النبوي أن يُقدّم السيناريو الي الناقد سمير فريد ليُقدّمه الي وزارة الثقافة في مشروعها للارتقاء بالسينما المصريّة ووصولها الي العالميّة ، خرج الفيلم الي النور بإجازة من علي أبو شادي على أن يقوم المُخرج برصد الميزانيّة ، استغرق التصوير فترة طويلة وتعرّض للتوقف وتكلّف ميزانيّة فوق المُفترضة - 3 ملايين دولار - تم التصوير بمرحلة عُمر الشريف أولاً وتابع خالد النبوي التصوير ليكون مُستوعباً لكن أداء النبوي جاء سيئاً ومشوّهاً كما سأذكر فيما بعد.

السيناريو مقسوم الي ثلاثة أجزاء ، الأوّل في بورسعيد في خريف 1948 أي بعد انتهاء حرب فلسطين ، الثاني في الاسكندرية في خريف 1973 أي بعد حرب اكتوبر ، الثالث في القاهرة في خريف 2001 بعد احداث سبتمبر الشهيرة ، وعلي الرغم من ذلك التقسيم فهذا لا يبدو مُهماً للمُشاهد في أي شيء ، حتي بعد مشاهدات أخرى ، أحداث الفيلم وشخصيّاته لا ترتبط لا بمكان الأحداث ولا حتي بالتقسيم الزمني السابق ذكره ، مما يمنح الفيلم نوعاً من الحذلقة والادعاء .

الفيلم في الجُزء الأوّل يحكي قصّة رجل يُدعي حسن يعمل في مصلحة البريد ، يستلم مُهمة بإيصال تليغراف لامرأة تُدعي نورا من خطيبها فؤاد - عمرو واكد - لكي يتزوّجها ، لكن حسن يقوم بتمثيل دور فؤاد ويغتصبها في مشهد عجيب وصادم جداً ، يصل خطيبها الحقيقي وتتم الزفّة بملابس فؤاد الداخليّة بعد أن اصر حسن على انتزاع البدلة التي استأجرها قبل فؤاد ، في الجُزء الثاني الذي تدور احداثه في الاسكندرية ، نعرف أن نورا - التي توفيت - أنجبت صبياً يُدعي علي ومات غرقاً في شبابه لكن اخته نادية تقابل حسن وتخبره انه شبيه بأخيها ، وهو يعتقد أن نادية ابنته ، وبالضرورة علي أيضاً ، يقابل جابر صديق علي ، و يزوّجه نادية ، مع ان جابر يبدو كالأبله تماماً ، لكن حسن لا يُمانع و يحوّل العزاء الي زفّة ، تصرف لا منطقي يُزيد الفيلم إدعاءاً و غموضاً و تحريكاً لشخصيّاته في الفراغ ، في الجُزء الثالث يلتقي حسن مع حفيده ، وندخل في متاهات تدعو للضحك حول طبيبة تأمل للحصول علي ماجستير بإجراء عملية تجميل في أنف الحفيد ، يدخل الحفيد المُستشفي و يخرجه جدّه بملابس المريض ، يذهبا للبيت ثم يتركه الحفيد وحده حتّى يواجه نفسه بالوقوف امام القطار ، المُفترض ان الفيلم ينتهي هُنا ، لكن ماهر يتمادى في الإدعاء والحذلقة بإضافة مشهد لا معني له بوجود حسن مُبتلاً بجواره امرأة تُرضع ابنها ويتطلع اليها حسن في دهشة .

نتيجة الفيلم النهائية تائهة ومُحبطة الي حد كبير ، لا أعلم ان كان الفيلم يدور حول شخصيّة حسن وخوفه او عن امتزاج الثقافات وتداخلها ، سمعت ان أحمد ماهر يتبنّي سينما فيلليني في فيلمه هذا ، في أفلام فيلليني هُناك دراسات لشخصيّاته واتقان له بصمة خاصة وروح خفيفة تتجاوز بها حتّى عدم وجود حدّوتة تقليديّة كما في أشهر افلامه La Dolce Vita و 8 1/2 ، تخرج من الفيلم مُتذكراً جداً لوحاته واسباب ضياع شخصيّاته او ازماتهم ، لكن أحمد ماهر هُنا يُقدم شخصيات مضطربة تائهة لا تفهم لها دوافع طوال أحداث الفيلم ، المُفترض أن خط الأحداث الرئيسي هُنا هو رحلة ذاتيّة في داخل حسن الخائف دوماً ، في بداية الفيلم نحن لا نعرف شيئاً عن حسن سوى انّه كان يتمني ان يكون رجل مطافئ لكنه تحول الي عامل بريد ، وهذا بالطبع لا يخدم اطلاقاً الفكرة المبني عليها السرد في الفيلم وهي نفي السببيّات ، كان لابد أن نعرف أي شيء "مُفيد" عن ماضيه وعلاقته بالمرأة ، قناعتي الشخصيّة ان ماهر حاول المزج بين سينما فيلليني و أنجيوبوليس و المزج بين الواقع والخيال لكنّه تاه بين النوعين وأخرج لنا جنيناً مُشوّهاً على صعيد الصورة ، هُناك مجهود كبير من الكاست الايطالي في العمل ، لكن المُشكلة ان الايقاع المتذبذب طوال الأحداث وخصوصاً في النصف الثاني يُفقد الصورة أي نوعٍ من المُعايشة ويمنحها البرود ، في النصف الأوّل حركة الكاميرا مُرهقة للعين ، في الثالث تبدو فعّالة جداً في تصوير الخناق حول شخصيّة حسن .

شريط الصُوت في الفيلم بديع جداً ، يُقدّم تأريخاً للتطور في الموسيقي ، لخدمة فكرة الامتزاج الثقافي لكن النص نفسه يُهمل هذا الخط ويتخبّط بعيداً ، أداءات الفيلم باهتة باستثناء محمد شومان و المُخضرم عُمر الشريف الذي رُبما يكون قد أنقذ الفيلم ، خالد النبوي يُقدم اداءً سيئاً الي حد بعيد ، طريقة مشيته التي يُقلد فيها عُمر الشريف في الجُزء الثاني كاريكاتوريّة جداً ، ديكور أنسي أبو سيف منح الفيلم نوع من البهاء خصوصاً في الجُزء الأوَّل .

الخلاصة ان الفيلم طمُوح جداً ، ورغم توافر الامكانيّات الا ان الفيلم مُشكلته الاساسيّة كانت على الورق ، لو كان هذا فيلماً واقعياً فهو لا منطقي ومُفكّك ، ولو كان فانتازياً فالأمر غير مُحكم .