الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2014

Don't Look Now

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : دونالد ساذرلاند ، جولي كريستي
إخراج : نيكولاس روج (1973)

من الغريب أن يطلب منك الفيلم من خلال عنوانه ألا تنظر و هو من أولى لقطاته يجبرك على إمعان النظر في كل تفصيلة يقدمها .

في النهاية سنكتشف أن عنوان الفيلم يبوح بالكثير رغم ازدواجية المعنى الذى يحتويه ، تلك الازدواجية التي لعب عليها الفيلم بطريقة ربما لم أشهدها بمثل هذه القوة في أفلام أخرى .

الازدواجية هنا ليست في المعنى و تضاده ، ليست في رصد تناقضات من خلال نفس الشيء ، الازدواجية يحققها النص هنا من خلال تسيير خطين دراميين متوازيين ، ظاهرياً يبدوان كذلك ، يبدأ الفيلم هادئاً ؛ لكن ما يلبث ذلك الهدوء أن يتحول لفاجعة ، يقفز بنا النص إلى ما بعد تلك الفاجعة بمدة كافية ، تلك القفزة التي لم نر منها شيئاً يتمسك بها النص على خلفية شخصياته و يتشعب بعد ذلك إلى خطين ؛ الأول الزوج و الزوجة بعد فترة من وفاة ابنتهما ، و الثاني إثارة و غموض و جرائم قتل متتالية تحدث و جو غيبي و روحاني يخيم على الزوجين من خلال أختين تدّعي أحداهما أنها ترى ابنتهما المتوفية ، يتلاعب النص هنا بكل تلك المفردات ليبدو كل شيء غامض و غريب ، سيتسلل شعور أن لا علاقة بين الخطين و هو تسلل مقصود في النهاية ، أو على الأقل هو تسلل مغزاه أن لا شيء يبدو كما هو ، لا الزوج متزن من الداخل كما يبدو و لا الزوجة سعيدة كما تبدو .

يلجأ النص لحيل يبدو أنها رخيصة كالنهاية المُفاجئة و حل لغز جرائم القتل الغامضة و الجو الروحاني المُحيط بالأحداث ، لكنه يستخدم تلك الحيل لتقديم تشريح نفسى رائع لزوجين يتمزقان داخلياً من فاجعة موت ابنتهما المُفاجيء ، طريقة تعامل الزوج المتساهلة إلى حد ما مع اقتناع زوجته بما أخبرتها الأخت العمياء توحي بأن الهدوء الذى يتعامل به مع موت ابنته ليس كما يبدو على الإطلاق و خصوصاً عندما أخبرته بأن طفلتهما تظهر لتلك السيدة كي تسامح أبويها على سماحهما لها باللعب قرب البركة ، عقدة الذنب تخيم هنا و لأول مرة على حياة الزوج ، و تبدأ شخصيته من هنا في الانهيار التدريجي و الاستسلام التام لحالة الحزن الدفين الناتجة عن وفاة طفلته ، و في مقابل ذلك الانهيار التدريجي للزوج تبدو الزوجة مع مرور الوقت أكثر تقبلاً و اتزاناً رغم كم المآسي التي تحدث لها ، إلا أنها استسلمت للطريقة التي وجدتها "مُريحة" كي تتعامل مع حادثة الوفاة ، ذلك التلخبط بين انهيار الزوج و اتزان الزوجة هو ما فرض على الفيلم في النهاية كل ذلك الغموض و الإثارة حتى و إن تُركت بعض الأمور غير مُفسرة في النهاية و حتى و إن كانت الجرائم في النهاية ليس لها أي علاقة بما يحدث للزوجين ، لكن النص و ببراعة مزج بين الخطين مُحققاً إنجازاً نادراً من قصة تناولتها السينما كثيراً .

نيكولاس روج يعرف كيف يلعب بذلك النص ، كيف يُظهر ما به من غموض ، كيف يتعامل مع تلك الازدواجية التي قد توقع الفيلم في فخ الافتعال ، مفتاح اللعب هنا كان في المونتاج ، يحقق نيكولاس روج أحد أعظم انجازات المونتاج في تاريخ السينما ، أولاً لدينا عدد لا بأس به من لقطات المونتاج المتوازي ، بداية من المشهد الافتتاحي ، يمزج المشهد بين لقطات للطفلين و هما يلعبان في الحديقة و بين الزوجين و هما جالسين في المنزل ، المونتاج المتوازي هنا يشى بشيء من عدم الارتياح و عدم الاستمرارية و كأن التقاطع السريع بين المشهدين لا يسمح بخلق حالة مغلوطة من السعادة ، و أن الأمور لا يمكن لها أن تستمر كما هي ، نفس الأمر يتكرر ثانية في مشهد الجنس الشهير ، ففي أكثر اللحظات حميمية التي شاهدناها للزوجين يتدخل المخرج كثيراً في تلك اللحظات حتى و إن كان التدخل بلقطات للحظات عادية جداً للزوجين و هما يبدلان ملابسهما ، القطع هنا هو قطع لاستمرارية تلك الحالة الحميمية ، لا يقتصر اللعب بالمونتاج هنا على ذلك فقط ، لدينا أيضاً كمية لا بأسى بها من الـ
Flashbacks و الـ Flashforwards محدثة تداخل عظيم بين ما يعتمل داخل الشخصيات و بين جو الغموض الذى يُحيط الفيلم بأكمله ، المراوغة كانت في نهاية الأمر كيف سيمزج المخرج بين الخطين المتوازيين ظاهرياً اللذين يرسمهما النص ، و الإجابة كانت بالتأكيد في المونتاج .

الصورة غامضة ، ضبابية ، باردة أحياناً كثيرة ، و مظلمة أغلب الوقت ، و استغلال طرقات و شوارع فينيسيا كان أمراً مذهلاً و شريط الصوت كان به من المراوغة و الذكاء الكثير ، كل ذلك أحب في النهاية أن أقول أنه كان تخديم على القيمة المذهلة التي يمنحها المونتاج للنص .

عن زوجين يتعاملان مع موت ابنتهما المفاجيء تحقق السينما أحد أعظم إنجازات أفلام الغموض و الإثارة بتشريح نفسى في منتهى التميز و الإتقان .