السبت، 4 أكتوبر، 2014

Yeelen

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : إيزاكا كين ، نيامنتو سانوجو
إخراج : سليمان سيسيه (1987)

"الحرارة تصنع النار ، و العالمان – الأرض والسماء – يوجدا عبر النور"

فيلم المالي سليمان سيسيه يعتبره البعض أعظم فيلم أفريقي تم إنجازه ، لكن الشيء المؤكد أنه من أجمل الأفلام قاطبة ، بعيداً عن أي حضارة نعرفها يأخذنا فيلم سيسيه إلى القرن الثالث عشر ليعيد تصوير أسطورة شهيرة من بلده مالي ، عند التعامل مع الأسطورة يكون من الصعب تحويل الشفهي إلى بصري ، ومع ضعف بعض الإمكانيات وغياب البعض الآخر يصبح الأمر مستحيل ، هذا الفيلم حقق – بنجاح كبير – المستحيل .


أسلوب سيسيه غير السردي من الممكن أن يُربك المشاهد ، في الغالب لا أحمل إيمان عميق بإمكانية حرق أحداث الأفلام العظيمة ، الفيلم العظيم يكمن سحره في ما لا يمكن قوله ، كما أن إحدى كرامات الفيلم العظيم هو أنك قد تعرف مقدار ما يحمله من قصة بالكامل ، لكنه يظل قادر على إمتاعك وإن اعتقدتَ أنك قادر على إفساد تلك المتعة ، الشيء الأهم أن يكون – كل مرة – قادر على مباغتتك .

فيلم سيسيه الخيالي يحمل علاقة مركبة بين شاب وأبيه ، الاثنان يمتلكان قدرات سحرية ، الأب يريد قتل ابنه ، لا يمكننا أن نعرف – عن يقين – لماذا يريد قتله ، و هذا يحير المشاهد و يزيد – بلا شك – من سحر الفيلم ، يعيش الابن مع أمه بعيداً عن الأب الذي نبذ ابنه منذ مولده ، اللمسة الأوديبية تصبح أكثر وضوحاً ، ربما الأب لا يريد للإبن أن يشاركه السحر (مُلْكَه).

الابن يهرب من أب يسعي جاهداً لإيجاده ، تبدأ رحلة الابن صوب عمه الأعمى ، سنعرف بعد ذلك أن العم ليس فقط شقيق أبيه ولكن توأمه كذلك ، رحلة الابن ستكون شاقة وهامة بالنسبة للابن ، حيث يستقل من رعاية وحماية أمه ليكتشف قدراته ويكتشف نضج عقله وجسده ، يمر الابن على قوم أرادوا قتله في البداية ، لكن ملكهم جعل الفتى مساعداً له بعد أن أراهم قدراته السحرية ، يستعينوا بالفتى الساحر في قتال أعدائهم فينجح في الاختبار ، يطلب منه الملك أن يعالج زوجته العاقر ، لكن الفتى يخون الثقة بنومه مع زوجة الملك ، يطلب الفتي من الملك تحقيق القصاص ، لكن الملك النبيل يتركه يذهب ويترك كذلك الزوجة الباكية ترحل مع الفتى ، الملك ذو الوجه القاسي و العين الدامعة يقدم صورة بديعة لنبل لا يفترضه "العالم المتحضر" في قوم بدائيين ، فإهانة الفتى و الزوجة لكرامة الملك لم تجعله يهدر بنفسه كرامته بقتل الزوجة أو قتل الفتى.

يصل الفتى مع زوجته الجديدة إلى عمه الذي يخبره بحقيقة الخلاف مع جده ، والذي على إثره عرض الجد نور الآلهة على العم مما تسبب في عمى العم ، يخوض الفتى معركة لا مفر منها مع الأب ، حيث يتعرض الاثنان للنور الساطع (عنوان الفيلم) ، لا نعرف نتيجة المواجهة لكننا نستنتج أن الأب والابن لم تكتب لهم النجاة ، و نرى أن الزوجة أنجبت ولداً يبحث في الرمال فيجد بيضتان من الحجم الكبير ، ثم ينتهي الفيلم بالسطوع .

الفيلم بدأ بشروق الشمس ، شروق الشمس يمكن إعتباره بمثابة بداية العالم ، الفيلم نفسه يمكن كذلك اعتباره العالم القديم أو عالم الأسطورة ، بينما السطوع يرمز لنهاية هذا العالم القديم وبداية عالم جديد ، لستُ من هواة تدمير الخلايا العصبية أثناء التفكير في الرمزيات ، لكن كل ما في الفيلم يوحي بالخلق وإعادة البعث .
هناك كم هائل من الأصالة في عمل سيسيه ، ما يمكن أن نراه في هذا الفيلم يصعب أن نكون قد رأيناه من قبل ، السرد الأسطوري ، التركيبة الثقافية ، الأسلوب البصري ، الإيقاع ، سيسيه أنجز سبع أفلام خلال أكثر من أربعين عاماً ، (السطوع) هو خامس أفلامه السبعة ، استعان سيسيه بمصورين فرنسيين ، بينما الموسيقى كانت خليط ما بين الإنشاد المالي و الجاز الفرنسي .

تم إنتقاد الفيلم بسبب صعوبة تتبع السرد ، كأن لابد من الالتزام بمعايير معينة حتى يُمنح الفيلم المباركة ، حتى أن البعض اتهم الفيلم بالبدائية ! ، لنفس السبب يمكننا اعتبار مرآة (تاركوفيسكي) أو حكاية حكايا (نورشتين) أعمال قليلة الجودة ! ، ربما ما لم يفعله تاركوفيسكي و نورشتين أنهم لم يعدوا المشاهد بسرد بينما سيسيه تلاعب بالمشاهد قليلاً ، و يبدو أن البعض لم يعجبه الأمر .

الأمر الذي أجده معيباً فعلاً كان في الممثل القائم بدور الأب ، حيث أنه قد مات أثناء التصوير ، فاضطر سيسيه لأن يستعين بآخر و يعيد تصوير المشاهد السابقة ، لكن هناك مشهد واحد لم يتم استبداله ، فاصبح هناك ممثلان يلعبان نفس الدور في نفس الفيلم ، من العجيب ألا ينتبه أحد للأمر !

الشيء الذي لا جدل فيه هو الصورة الساحرة الشعرية والتصوير الخلاب الآسر ، كيف تم تحويل الأراضي القاحلة إلى جنة بصرية ! ، كيف استطاع سيسيه أن يحقق فيلم خيالي في أفريقيا ! ، و إن حققه كيف حققه بدون مؤثرات أو ممثلين محترفين ! ، الفيلم درس في القدرة على تحقيق المستحيل ، والشيء الأهم أنه نوع استثنائي من الجمال الخام .