السبت، 11 أكتوبر، 2014

Xala

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : ثيرنو لي
إخراج : عثمان سيمبين (1975)

"المصيبة الحقة ليست مسألة جوع أو عطش ، لكنها مسألة أن تعرف أن هناك أناس يريدون لك الجوع والعطش" -  عثمان سيمبين

عثمان سيمبين يحول روايته إلى فيلم ، يختار الكوميديا ليقول ما يريد قوله عن بلده و عن البلدان الأفريقية التي تحررت فقط من مظهر الاستعمار الخارجي ، لكن الاستقلال الوطني لم يتحقق ، الغرب رحل بجنوده ولم يغادر بنفوذه ، يقتحم الغرفة التجارية رجل أبيض يضع حقيبة سوداء أمام الأعضاء و الرئيس السود ، يبدون قانعين بما في الحقيبة من أموال ، الرجل سيظل موجود طوال الفيلم دون أن يقول شيئاً ، في حضور المال من يحتاج ليقول شيئاً !

(الحاج) – أحد أعضاء الغرفة التجارية – رجل أعمال يتاجر في السوق السوداء ، الحاج على وشك الزواج للمرة الثالثة ، نرى مناورات حربية لطيفة بين الزوجة الأولى والثانية تذكرنا بالمسلسلات العربية ، الرجل يكتشف أنه عاجز عن ممارسة الجنس مع عروسه الجديد ، اسم الفيلم (حالة / خالة) لفظة ترادف حالة العجز الجنسي ، يذهب الحاج إلى المشعوذين بحثاً عن علاج ، يخسر المال والتركيز في العمل ، يجد العلاج أخيراً ، لكنه يفقد موقعه في الغرفة التجارية ، المشعوذ الذي عالجه لا ينجح في صرف الصك الذي أعاطاه له الحاج لعدم وجود رصيد كاف ، في المقابل يعيد المشعوذ عجز الحاج مثلما قد سبق وعالجه ، في نهاية الفيلم يعرض ذوي الإعاقات والمعوزين معالجة الحاج ، علاجهم أن يبصقوا عليه بصورة جماعية !

سيمبين روائي قبل أن يصبح مخرج أفلام ، دائماً ما يدور جدل عجيب بين أنصار الأدب و أنصار السينما حول الأفضلية ، يعتقد أنصار الرواية أن السينما أقل خيالاً بينما يعتقد أنصار السينما أن الرواية آداة سينمائية ، الحقيقة أن الفرضيتين قد تكونا صحيحتين و قد يكون العكس ، الأمر متوقف عن أي رواية و أي فيلم نتحدث ، فالفيلم الجيد يمنح خيالك شيء جديد عندما تشاهده بينما الفيلم العظيم يمنح خيالك أشياء جديدة متى شاهدته وبعد المشاهدة ، رواية دوستوفيسكي العظيمة : (الجريمة والعقاب) هل يستطيع أحد تحويلها إلى فيلم ؟ وإن استطاع هل ينجح ؟ أو كما قال مواطنه تاركوفيسكي "إن كتباً كهذه تعد تحفاً فنية ، و فقط ذاك الذي لا يبدي اكتراثاً بالنثر الرفيع و بالسينما معاً يمكن أن يتصور إمكانية تحويلها الى الشاشة" .

سيمبين استحضر الروح (البونويلية) في هذا الفيلم عدة مرات ، ربما هو أمر شخصي أن لا أستطيع تخيل فيلم يسخر من البرجوازية بدون تذكُّر بونويل ، وكيف لا ؟! لكن مشهد زحف الفقراء ناحية بيت الحاج في نهاية فيلم سيمبين لا بد و أن يذكرنا بتحفة بونويل العظيمة Viridiana ، النقد الساخر القاسي يصلح دائماً ليكون سلاح مميت في مواجهة أوضاع عبثية ، كما أنه وسيلة فعالة لتنفيس الغضب ، الفيلم يسخر من استقلال البلد الذي لم يحدث طالما لا يستفيد أهل البلد من خير البلد ، طالما لا يستطيعون إدارة بلدهم بأنفسهم لأنفسهم .

ربط سيمبين المكانة المالية والاجتماعية بالذكورة ، فحينما فقد الحاج قدرته الجنسية فقد مكانته وسط أقرانه ، عندما استعاد قدرته لم ينجح في أن يستعيد مكانته لأن مجرد التشكيك في ذكورته أمر هائل بالنسبة لهذا النوع من المجتمعات ، أحد النقاد أشار بذكاء إلى أن الحاج عندما تعثر جنسياً لم يلجأ للرجل الأبيض أو الطب الحديث ، لجأ للمشعوذين و العلاج طبقاً للتقاليد القديمة ، سيمبين يعتقد أننا لابد و أن نفهم تقاليدنا قبل أن نحاول فهم أنفسنا .

الجميل في فيلم سيمبين أن الغرب ممثل في شخص واحد لا يتكلم طوال الفيلم ، سيمبين يهاجم الاستعمار الصامت الملحوظ وإن كان لا يثير ضجيجاً ، كما يهاجم الاستعمار الثقافي اللغوي طبقاً لمقولته بأن الحضارة و الفن سياسة ولكنها تقول "نحن" بدلاً من "أنا"، في الغرفة التجارية يصر الأعضاء على الحديث بالفرنسية بينما في لحظة إنهيار الحاج أصر على التحدث بلغة الولف المحلية ، لغة الولف التي كان يلوم بنته في السابق على التحدث بها ، أحد البرجوازيين الأفارقة يشتكي بأنه لم يعد يستطيع الذهاب إلى أسبانيا لكونها أصبحت ممتلئة بالزنوج ! ، سيارات رجال الأعمال تُغسل بماء معدني مستورد من أوروبا ، بينما الفقراء يقتسمون فيما بينهم الخبز ويساعدون أحد القادمين من الريف والذي سُرقت أموال قريته في المدينة .

بنت الحاج رافضة لفساد أبيها وأسلوبه في المعيشة ، رافضة لزواجه الثالث وللماء المستورد الذي لا يشرب غيره ، مثلما يغسل سيارته يغسل أحشائه ! ، بنت الحاج تمثل الرفض في مقابل الحاج الممثل للفساد ، لكنها أضعف من أن يصبح لها صوت مسموع ، يتعاطف سيمبين  معها و نعرف أنها تمثل موقفه الأخلاقي كذلك ، البنت تخوض معركة خاسرة منذ البداية لكن في المقابل تستطيع أن تشعر بالنبل ، في مقابل الأب الذي يخوض معركة خاسرة في النهاية طمعاً في الشعور بالفخر ، من الواضح لمن انتصر سيمبين .

"بالطبع عندما أتكلم عن المدن الأفريقية لا يوجد هناك فرق كبير بين بناء في لندن أو أبيدجان ، لكن الأكثر أهمية هو الرجال والنساء الذين يعيشون في هذا البناء ، أي حياة يعيشونها؟" - عثمان سيمبين