الأحد، 12 أكتوبر، 2014

All Is Lost

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

بطولة : روبرت ريدفورد
إخراج : جي سي تشاندر (2013)

النتيجة الأوضح التي خرجت بها عقب مشاهدتي لهذا الفلم , اني افضله على Gravity ، الفلمان متقاربان في طرح الموضوع مختلفان في المعالجة ، ولكن ماهي اسباب تفضيلي له على Gravity رغم ان كلاهما تم صنعه بنفس العقلية العنيدة التي لجأت لأيصال المشاهد لأشد درجات التعايش مع واقع الشخصية ، ورغم ان كلاهما ألتف على بعض كليشيهات هذا النمط من السينما ، و لكن السبب الاوضح بالنسبة لي ايضا أن ما لم استطع نسبياً تقبله في Gravity استطاع هذا الفلم تجنبه .

كبداية , هذا الفلم اكتفى ببضعة كلمات في مقدمته لخصت كل شيء , حينها بدا لي أن اي حيلة في السيناريو كانت لتبدو حشو او ابتعاداً عن هدف الفلم ، الثلاثين كلمة أو الاقل بقليل وبطريقة إلقاء تعبر عما ننتظره من الشخصية اختصرت عليه اقحام أي شخصية ثانوية ، ثانوية بالمعنى الفعلي للكلمة كما الحيلة التي لجأ لها سيناريو فلم Gravity بايجاد مكان للشخصية التي قدمها جورج كلوني ، والتي كانت بالنسبة لي ابرز نقاط الضعف والازعاج فيه .

الفلم لا يتحدث فقط عن العزلة وعن ارادة الحياة , بل عن الوحدة ايضاً , الشخصية التي قدمها روبيرت ريدفورد لا تبدو أنها اجبرت على الوجود في هذا المكان والزمان , و ذلك من خلال خلق علاقة عاطفية بينه و بين عالمه المحدود الذي آثر الانتماء له (القارب و أشياءه) , لذلك بدت مشاهد غرق القارب توحي بأن قاربه هو عالمه , هو العالم الذي تخلى عنه , هو القشة شبه الاخيرة التي تربطه وتجذبه ، هو الشيء الذي يظهر كمية الهشاشة التي من الممكن ان يكون التواجد بها في الحياة قائماً ، و رغم ان Gravity لم يعطي لهذا الجانب اي اهتمام بطبيعة مهمة العمل الموكلة للشخصية التي قدمتها ساندرا بولوك ، وهذا افقد الفلم برأيي الفارق العاطفي الذي يجعل المخاطرة من اجله ممكناً ، حتى ولو كانت مخاطرة على شكل الانعزال في قارب او السفر للفضاء .

العاملين الأكثر أهمية في تفضيلي لهذا الفلم يكمن في أن هذا الفلم فعلاً لم يكن بحاجة لتقنية الثري دي كي يمنح الشعور الاقوى بمعايشة الشخصية و نقل ظروف المحيط و تأثيراته عليه ، على عكس Gravity الذي لم اشاهده بهذه التقنية والذي اعرف سلفاً اني لم اشاهده كما يجب ان يُشاهد ، التعرف في هذا الفلم على ظروف وصعوبة المناخ المحيط كانت تظهر في معاناة الشخصية , في تعابيرها و عينيها واظهارها ليأسها حتى في اشد ساعات الأمل ، في نظرتها للقارب وهو يغرق , في استكشافه للعواصف و للشمس و للماء الصالح للشرب وللطعام و لكل تغيير يطرأ ساهم ايجاباً أو سلباً في نقل شعوره و أثر ما يحدث عليه  .

العامل الآخر الذي كان الفلم حاسم و صارم في تقديمه ، و هو الذي وقع Gravity في فخه أكثر من مرة من خلال اصرار السيناريو على ترك بارقة أمل في كل مرة , لدرجة يعطي شعوراً مزعج بأن نهاية الفلم معروفة سلف ، هذا الفلم كان على العكس تماماً ، الفلم لا يرغب في ان يجعل الامل (العامل الأكثر تجارية في السينما) , أن تقف حاجز أمام ما يريد ان يختبره ، و يقدمه ، الحياة ليست بهذه السهولة فهي تعطي فرصها باستمرار ، و أن ارادة الحياة لا تتمثل فقط في النجاة بل في المحاولة ، في صمود غريزة البقاء أمام كل الظروف حتى في الوقت الذي فقدت فيه الشخصية كل شيء ، الأمل احياناً يعاكس الحياة و يقف في وجهها ، و الثلث الاخير من الفلم كثف من هذه الفكرة ومن خلالها قدم فكرة لا تقل أهمية , أن الحياة قادرة على ترك شخصية كهذه خلفها , قادرة على الوقوف ضده نتيجة خياراته ، فهو الذي فضل الانزواء ، و هو الذي فضل الوحدة و عليه أن يتحمل مسؤولية هذا القرار  .

الأمر الآخر الحاسم في هذا الفلم أن روبيرت ريدفورد لم يترك اي مجال لمقارنة أداءه بأداء ساندرا بولوك في Gravity ، ترفع له لقبعة و هو في هذا العمر يقدم فلما كهذا وبظروف لا أعتقد انها تقل صعوبة عن اي دور آخر قدمه خلال خلال شبابه ، الرجل الذي يملك حماساً تجاه التجارب السينمائية ، و هو الذي سبق له ان أسس لمهرجان السينما المستقلة واسماه تميناً بشخصيته الشهيرة بفلم جورج روي هيل Butch Cassidy and Sundance Kid ، عند مشاهدة أداء كهذا ، هل فعلاً كان الفلم يحتاج لأي مونولوج او تمهيد حواري او شخصية ثانوية او فلاش باك أو أي حل اخراجي يوصل هذه الشخصية للمشاهد ؟ ، اعتقد ان مخرج هذا الفلم كان محظوظاً بإعطاء هذه الشخصية لريدفورد ، لأنه اعطى زخماً عاطفياً كبيراً للشخصية ، التي تعاطفت معها كما لم اتعاطف مع شخصية اخرى من شخصيات 2013 ، الأداء كان كافياً لأن اتمنى خلاص الشخصية و نجاتها ، الأداء كان كافياً لامتصاص بطء تطور الاحداث ، كان كافياً للاستغناء عن الثري دي ، كان كافياً للإستغناء عن الحوار ، و كان كافياً لجذب المشاهد لها طيلة ساعتين من الزمن (اطول من Gravity بنصف ساعة) .

لا يمكن انهاء الحديث عن هذا الفلم دون الحديث عن الموسيقى التصويرية التي لا تبدو (موسيقياً) هي الميزة الوحيدة فيها ، بل توظيفها اعطاها ابعاداً اهم واجمل ، لم توظف هذه الموسيقى كي تملي عليك كيف تشعر ازاء المواقف التي نراها في الفلم ، بل لتكثف بأشد درجة ممكنة من شعور الموقف , من احساس التعاطف تجاه هذه المواقف ، ربما ابرز ميزات الفلم انه كان سينال من مشاهديه هذا التعاطف حتى دون موسيقى تصويرية , وأتت هذه الموسيقى لتكثفها وتمنحها الحيز العاطفي الكامل والضروري  .

هذا فلم لا يجب ان يتحلى أحد بالجراة لإعادة تقديمه بذات الشكل ، طريقة المعالجة و روبيرت ريدفورد سدا كل الطرق برايي لتقديم تجربة ناجحة بهذه المقاييس وبهذا الأسلوب العنيد والذكي .