الاثنين، 27 أكتوبر، 2014

Terra em Transe

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

بطولة : جارديل فيليو ، باولو أوتران
إخراج : غلاوبر هوشا (1967)

من بين كل الافلام الكلاسيكية التي قدمتها السينما البرازيلية كان غولبير روشا هو الأكثر حضوراً في ذاكرة هذا البلد سينمائياً و ضمن النوفو سينما , والاكثر استمرارية , افلامه اخذت منحى أبعد من أن تكون تجارب سينمائية أو أفكار وجدت طريقها لدور العرض المهمة في المهرجانات الكبرى , روشا لديه خصوصية و بصمة و أسلوب , و خصوصاً من الناحية البصرية , شاعريته في تقديم صورة بأكبر قدر ممكن من الرومانسية , من الرمزية , شاعريته حتى في معالجة أكثر المواضيع ابتعاداً عن الشاعرية , كالسياسة , كالصراع على السلطة , كما في هذا الفلم .

نادراً ما نشاهد فلم يكون التناقض واضحاً بهذا الشكل بين أسلوبه و مضمونه , عادة تُقدم مواضيع مثل الحب و الحياة و الشعر بشكل أقرب للشاعرية , بينما الافلام السياسية و أفلام الصراع على السلطة فتتخذ أسلوب عرض و معالجة مختلفة , و لكن اسلوب روشا في تصوير عملية الصراع على السلطة في بلد كإلدورادو بهذه الشاعرية كان افضل طريقة لانتقادها و لمهاجمتها و خصوصاً انه قدمها من منظور شاعر و صحفي لا يرى في السياسة أكثر من أداة و لغاية واحدة و هي أن تخلص فقراء ألدورادو من فقرهم و معاناتهم , الغاية الأكثر رومانسية للسياسة و الاكثر نبلاً , و الأكثر تهميشاً و إقصاءً , انعكست شخصية هذا الشاعر الرومانسية و الحالمة و المنخرطة في وحل السياسة على أسلوب الفلم فكان الفلم السياسي الأكثر شاعرية و رثاء من بين الافلام السياسية التي شاهدتها و أعتقد ان هذا الأسلوب برز تأثيره وامتداده لأفلام مثل Il Divo لباولو سورينتينو الذي قدمه عام 2008 , و إن كان بأسلوب أكثر كاريكاتورية .

انتقل هذا الشاعر من ولاءٍ لولاء , من أقصى اليمين لزعيم يرى في نفسه المسيح المخلص , لأقصى اليسار لزعيم مكبل لا يستطيع تحقيق وعوده التي قطعها للمصوتين الفقراء و لمن اوصلوه للسلطة , و ما بين رجل اعمال قادر بأمواله على أن يغذي أي تيار سياسي في البلد و أن يوصله للكرسي , الفلم يناقش فلسفة الحكم , فلسفة السلطة , و كيف تتحول هذه المصطلحات في قاموس شاعر مثل باولو لأسلحة لا تقل فتكاً عن اي سلاح تقليدي , باولو انخرط في مجال زادت معها انقسامات شخصيته الحادة , بين الشعر و السياسة , بين كل النساء و بين سارة التي كانت تمثل له اقصى ما في السياسة من رومانسية , ما بين نفاق اليمين و نفاق اليسار , و قوة المال في السياسة , منقسم بشدة بين قدرة الشعب على اختيار حكامه , و بين استحقاقهم لحاكم يسعى من ممارسة السياسة لانتشالهم من جهلهم و فقرهم , و منقسم بشدة بين ولاءه ولا ولاءه , الرجل الرومانسي الحالم في السياسة لا يكسب سوى الاعداء , و السياسة لا تستطيع ان ترى في الشعب أكثر من صندوق انتخابي , و الشعب نفسه ليس اهلاً لحكم نفسه بنفسه , طالما ان الحيلة تنطلي عليه مع كل انتخابات .

روشا تعامل مع كل هذه الانقسامات بالتغلغل في شخصية باولو , إبراز أشد ما فيها من انكسار , بصور ذهنية تماماً و رمزية , كان يصور انعطافاتها و تغيراتها الحادة و خيبة أملها في كل مرة , و خصوصاً مع اغراق الفلم بمشاهد الكلوز آب على الوجوه بطريقة ذكرتني بأسلوب انغمار بيرغمان في اكتشاف و رصد تعابير و وجوه شخصياته , و بطريقة زوم إن لا يمكن ابداً ان تغفل اسلوب انتونيوني في استخدامها بأفلامه , روشا يملك من الخصوصية ايضاً ما تستطيع ان ترى جمال لقطاته الخاص , افكاره و حلوله الاخراجية الخاصة , حركة الكاميرا المتوترة او الهادئة , مشاهده العظيمة التي قدمت شخصياته السياسية بأسلوب رمزي فيه الكثير من الابداع , صورة دياز الزعيم اليميني وهو يرفع الصليب و العلم الاسود , لقطة تتويجه كملك حينما خسر اليسار , كل ما في الفلم يبوح بالعظمة والموهبة من الناحية البصرية , موهبة تجعل أفلام روشا الأخرى و خصوصا فلمه Black God, White Devil ضمن لائحة الاهتمام .