الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

الأفوكاتو

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : عادل إمام ، يسرا
إخراج : رأفت الميهي (1984)

بدأ رأفت الميهي مشواره مع السينما كاتباً لمجموعة من الأفلام كان القاسم المشترك المُلاحظ بينها هو تقديمها الواقع برؤية جادة من خلال مواضيع جادة حملت جرأة الطرح السياسى و الاجتماعى ، و لعل أهم أفلام تلك المرحلة من مشواره هي تلك التي شكل بها ثنائياً متميزاً مع المخرج الكبير كمال الشيخ ، أفلام مثل : غروب و شروق و على من نطلق الرصاص ، و حتى عندما بدأ مشواره الإخراجي كان فيلم عيون لا تنام ، فيلم تراجيدي مأساوي بإمتياز ، كل المؤشرات تشير إلى امتداد متميز لمدرسة الواقعية التي بدأها الكبار : صلاح أبوسيف و كمال الشيخ و توفيق صالح ، و أعاد إحياءها جيل الثمانينات المتميز ، رأفت الميهي يخالف كل المؤشرات و التوقعات الممكنة و الغير الممكنة عندما قدم تجربته الثانية : الأفوكاتو ، كوميديا سيريالية رمزية فانتازية سوداء ، خليط عجيب لم يُقدم في السينما المصرية من قبل قدمه الميهي بتميز شديد راسماً به لنفسه أسلوباً خاصاً و فريداً أنتج أفلام مثل : السادة الرجال و سيداتي آنساتي .

الغريب في الموضوع أن تلك الأفلام ماهي في النهاية إلا انتماء - مختلف كثيراً - لمدرسة الواقعية بما تحمله من طرح سياسي و اجتماعي جريء ، المختلف الذى يفعله الميهي أنه يهدم الواقع تماماً و يُعيد بناءه من جديد من نفس تفاصيل ذلك العالم الذى هدمه للتو ، فيلم الأفوكاتو هو ذروة ذلك الأسلوب الفريد .

لكن كيف يقدم الميهي أسلوبه هذا ؟ ، كل لقطة في الفيلم - باستثناء مشهد واحد ربما ، سأعود إليه فيما بعد - إذا تم النظر إليها على حدة ستجدها طافحة بالواقعية : الإضاءة ، الديكورات ، الألوان ، لكن تتابع تلك اللقطات وراء بعضها هو ما يخلق إيقاعاً تستسلم له باقي عناصر الفيلم من تمثيل و موسيقى و إيقاع ، يُعيد الميهي بناء العالم الذى هدمه للتو مستخدماً نفس العناصر و المكونات ، الأمر لا يقتصر على الصورة ، الأمر واضح جداً في استغلال الميهي لصلاح نظمي ؛ ممثل ذو تعابير جادة صارمة لم يخرج طوال مسيرته عن تلك الصورة المطبوعة في ذهن الجمهور ، يستغل الميهي تلك الصرامة و الجدية و يُغذيها بجمل الحوار ذات الإيقاع المستسلم لطبيعة و أجواء الفيلم و يضع الشخصية ضمن منظومة شخصيات تخدم بطريقة عبثية سيريالية ساخرة الطرح الفكري الذى يقدمه الميهي لتنبعث من الشخصية الصارمة الجادة التي يقدمها الممثل الصارم الجاد عبثية و كوميديا شديدة الأصالة و التميز .

كل مشاهد الفيلم - خصوصا مشاهد المحكمة - تجمع دائماً بين الجد و الهزل ، بين الواقعية و العبثية ، بين المرارة و الكوميديا ، قاضى وقور يصرخ في وجه أحد المتهمين لإهانته شاهدة انجذب القاضي إلى جمالها ، مُدرسة وقورة تترك حصتها الدراسية حتى تمارس الجنس مع زوجها ، و الزوج كي يجعل زوجته تخضع لعملية جراحية يقُنعها أنها ذاهبة لجلسة تحضير أرواح ، الأمثلة كثيرة لا حصر لها ، بناء الشخصيات يخضع لذلك الأسلوب الإبداعي المُبتكر بطريقة تُشارك في النهاية في خلق إيقاع مميز جداً للفيلم ، و حتى الموسيقى تسير على نفس المنوال ، في نفس المشهد تتأرجح الموسيقى ما بين الجد و الهزل كمشهد المستشفى الجميل ، أو مشهد المحكمة بعد خروج حسن سبانخ من المستشفى ، ففي اللحظات القليلة التي تخضع الموسيقى فيها للجانب الجدى يحدث تكثيف شعوري و نفسى جميل يُعطى للفيلم أبعاداً درامية و فكرية و نفسية في منتهى التميز .

في مشهد وحيد في الفيلم يكسر الميهي ذلك الإيهام الذى ظل يبنيه طوال أحداث الفيلم ، الإيهام بين الواقعية و العبثية ، يكسره ليقدم أكثر مشاهد الفيلم غرابة و عبثية على الإطلاق ، مشهد السجن حيث الشاطيء الافتراضي و حارس السجن بائعاً للآيس كريم ، الكسر هنا يُحدث حالة من الصدمة تجعل طريقة قراءة الفيلم مختلفة عن مجرد كونه فيلماً كوميدياً متميزاً و يُعطي الفيلم مستويات أخرى للتلقي و الأهم يُعلن المشهد صراحة عن الاختلاف الذى شيد به الميهي أسلوب فيلمه .

إذا نظرنا في أفلام الميهي الأخرى و خصوصاُ السادة الرجال و سيداتي آنساتي ستكتمل الصورة لديك ، و سيصبح استنباط أسلوبه واضحاً و سهل الاستمتاع به ، و ستتفهم تماماً إطلاقه للجام خياله فى سمك لبن تمر هندي حتى و إن استشعرت أنه بالغ كثيراً في شططه ، لكن ستبقى الحقيقة الواضحة في النهاية أنه مخرج ذو أسلوب خاص و متميز ؛ أسلوب لم يُقدم قبله في السينما المصرية و لم يهتم أحداُ بعده باستغلاله و تطويره .