الأحد، 26 أكتوبر، 2014

Neighboring Sounds

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4.5/5

بطولة : آنا ريتا غورجيل ، كايو ألميدا
إخراج : كليبر مندونسا فيليو (2012)

ببداية عظيمة تجذبك بسوادها المغلف لكل الأصوات التي تجتمع وتتعالى من حولك ثم مع توارد سريع لصور قديمة بالأبيض والأسود تشي بفقر وألم يظهر في عيون أصحابها تدرك أنك موشك على مشاهدة فيلم مميز يصنعه فنان يدرك ما يريده و يعبر عنه بحساسية و أسلوب جديد.

بين شخصيات مختلفة يجمعها شارع واحد يصنع المخرج البرازيلي كيلبر مندونسا فيلو عالماً صغيراً مشابه لعالمنا الذي نحيا فيه الآن بكل ما فيه من تناقضات وفراغ ووحدة وسط الزحام وغرور الانسان بقوته وفرديته وقدرته على السيطرة.

في البداية يجب الحديث عن الأبعاد التي يقدمها الفيلم ، أبعاد كثيرة لا تستطيع ربطها بما يحدث أمامك و لن يتم حلها حتى بمشهد النهاية ، فالفيلم يصعب تلخيصه و ربطه في مسار واحد و لكنه – الفيلم - يظل يدور و تدور حوله ليجعلك تفكر في كل الاشارات التي يرسلها إليك.

و أنت تشاهد الفيلم سترى الخوف والحزن و الإحباط متجسداْ في شخصياته ، و لكنه تجسيد مكتوم يقبع في قاع كل شيء و لا يبين حتى و إن كان هو المحرك الحقيقي للأمور ، تتجاهله الشخصيات نفسها و تخفيه بإتقان ، و لكنك ستشاهده في كل التفاصيل ، ستشاهد التشوه الذي أصاب هذا المكان وشخصياته فأدى إلى خلق كل تلك المشاعر السلبية ، الفيلم يقول بمنتهى البساطة إن كان العالم مستمراً في خلق كل مسببات الخوف ومظاهر القبح فأين سيجد السلام و الأمان ؟!

من أكثر الشخصيات المكتوبة بقوة و جمال و تم تقديمها بمنتهى البراعة في الفيلم كانت تلك الزوجة المحبطة التي تعيش مع طفليها وزوجها في ذلك الشارع ، ربما هي بعيدة عن أسباب تشوه هذا العالم الذي تحيا فيها و لكنها في نفس الوقت تحيا تفاصيل قبحه في كل دقيقة ، بين توترها و حزنها و إحباطها و رغبتها في التمرد و إدارتها لأسرة لم يقم فيها الأب سوى بدور العائل المادي و غاب عن باقي التفاصيل ، فلم يظهر دور زوجها سوى في قدرته على تأمين هذا المنزل لهم وقدرته على دفع دروس أولاده و شراء التلفاز الثمين الذي قامت باستلامه في بداية الفيلم ، التلفاز الذي جعل أختها حاقدة عليها و لكننا طوال الفيلم لم نجد التلفاز مشغلاً سوى و هم يأكلون العشاء سوياً و لا يلتفت أحدهم لذلك التلفاز.

أيضاً شخصية (صوفيا) وعلى الرغم من قلة مشاهدها إلا أنها كانت ترمز لجمال وبراءة يتمحور حولها الفيلم ، تحديداً يتمحور حولها عالم الفيلم القبيح ليطارد ملامح ذلك الجمال ليخفيه كما أخفى النجوم المضيئة في غرفتها القديمة ثم يهدمه تماماً كما سيهدم المنزل كله.

الفيلم ذكرني بالفيلم الأرجنتيني Sidewalls وإن كان أقل منه رومانسية و خفة و أكثر قسوة و واقعية في التعبير ، و أعتقد بأنه يحق اعتبار الفيلم فيلم رعب وفي نفس الوقت لا يمكن اختزاله في ذلك ، و الرعب في الفيلم لا تراه فقط في خوف شخصياته و لا في مسببات ذلك الرعب و لا حتى في اللقطات السريعة الخاطفة التي تثيره فيك كمشاهد ، و إنما أيضاً في كل التفاصيل القبيحة للحياة التي تحياها شخصيات الفيلم ، الحياة المليئة بالقسوة و الوحدة و الممتلئة بكل ما يمكن الاستغناء عنه مقابل افتقاد كل ما هو ضروري لحياة طبيعية مسالمة ، و بكون الفيلم فيلم رعب فسيكون هو أذكى وأصدق و أكثر أفلام الرعب واقعية حيث أنه يتحدث عن الرعب الموجود بيننا بالفعل و بشكل يومي و في كل مكان في عالم قاسٍ و قبيح باعد بين البشر و زرع الخوف و الريبة بينهم.

في المجمل القضية ليست قضية حضارة حديثة و لا قضية مال ضحى صاحبه بكل شيء من أجله و لا حتى قضية ثأر شخصي ، القضية قضية انسان أفسد عالمه و جعله ملعوناً مجنوناً مثله ، انسان لم يستمع إلى الأصوات المجاورة له لآلام تسبب بها فاستغل ذلك العالم غفلته و عاد للانتقام.