الأربعاء، 1 أكتوبر، 2014

Reservoir Dogs

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : هارفي كايتل ، مايكل مادسن ، تيم روث
إخراج : كوانتن تارانتينو (1992)

لدى تارانتينو شغف سينمائي غير عادى ، بداية من ثقافته السينمائية الواسعة التي اكتسبها من محل الفيديو الذى كان يعمل به ، لحماسه الواضح عند أي حديث عن السينما يقوم به ، لمتابعته الدائمة لكل ما هو جديد و قديم ، نهاية بتلك البصمة التي أصبحت علامة مميزة خاصة به فقط ؛ بصمة أصلية بها من التأثر بأفلامه و بمخرجينه المفضلين التأكيد على شغفه العظيم لفن السينما .

أرى أن أفلام تارانتينو كلها ليس لها مدخل للكتابة سوى تلك المقدمة ، ذلك أن أسلوب الرجل واضح و جلي ، من السهل استنباطه و من السهل الاستمتاع به ، لكن دائماً هناك تلك الرغبة الدائمة لانتظار كل جديده ، و الشغف الواضح لدى متابعي السينما في انتظار أي خبر أو فيديو له ، و عشاق الرجل يتفهمون جيداً طريقة تفكيره المجنونة ، نحن - عشاقه - نتفهم مثلاً كيف أنه في فيلمه الأخير أضاف شخصيات و حذف أخرى فقط لأنه أراد الممثل الفلاني للدور فكتبه خصيصاً له ثم بعد انسحابه حذف الدور و أضاف دوراً آخر لممثل آخر ، نتفهم كيف أنه قتل هتلر أمام شاشة عرض سينمائية في واحد من أعظم المشاهد الانتقامية في تاريخ السينما ، كل ذلك مرده فى النهاية إلى مقدار الشغف الذى يحمله في داخله و الذى ينتقل لنا - بطريقة أو بأخرى - عن طريق الاستمتاع بما يقدمه .

أقول أن أسلوب الرجل واضح و من السهل استنباطه ذلك أن فيلمه الأول "كلاب المستودع" يُعد تدشيناً عظيماً لأسلوبه ، البصمة واضحة منذ أول مشهد ، بصمة تتكرر في كل أفلامه - العظيم منها و المتواضع - تحمل معها كم هائل من المتعة ، مشهد الفيلم الافتتاحي عبارة عن مجموعة من الرجال - لانعرف عنهم أي شيء - يرتدون بزاتٍ أنيقة يدور بينهم حواراً كالذي يدور بين أي مجموعة جالسة في مطعم ، الحوار في سينما تارانتينو له سحر خاص ، فهو حوار تصاعدي بطريقة غريبة ، يرفع وتيرة التشويق و الإثارة إلى ذروات درامية نستغرب تطورها لكن نستمتع بها ، الحوار يحمل من شخصية تارانتينو ما يطبعه على شخصيات أفلامه فتخرج بتلك الطريقة الجذابة و الممتعة .

التدشين الأعظم هنا فى رأيي كان من خلال رؤية تارانتينو لعنصر الزمن و الطريقة التي يستخدمه في كل أفلامه ، هو في النهاية ينتقي من الزمن ما يخدم موضوعه ، و يُعيد ترتيب المشاهد زمنياً بطريقة تبدو في النهاية مُرتبة و منطقية إلى أبعد حد ، بعد المشهد الافتتاحي العظيم و اكتمال تترات الفيلم ، ينتقل بنا السيناريو إلى أحداث ما بعد الجريمة ، الجريمة التي لا نعرف عنها شيء تقريباً ، ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى أحداث تسبق الجريمة حيث التخطيط لها في مشاهد فلاش باك عظيمة ، الجريمة نفسها يقتطع منها تارانتينو المشاهد التي تخدم ترتيب الأحداث بحيث تبدو الصورة في النهاية مكتملة على نحو متفرد ، لاحظ أن اللعب بالزمن وصل إلى ذروته في سينما تارانتينو في فيلمه الثاني ، أي أن اختمار الأسلوب لم يحتج سنين و خبرات ، هو فقط كان يحتاج تدشيناً يُلفت به أنظار العالم .

تقسيم الفيلم إلى فصول ، الأطر البصرية المتفردة التي يضع في مقدمتها و في خلفيتها جميع شخصياته ، شريط الصوت الثري و علاقته شكلاً و موضوعاً بكل كبيرة و صغيرة في أحداث الفيلم ، الأداء التمثيلي المُستسلم لإيقاع الحوار و طبيعة الشخصيات التي تأتي فقط من مخيلة تارانتينو ، المجرم صاحب المباديء و العقائد التي تتواجد فقط داخل إطار عالمه الخاص مثل إيمانه بعدم دفع بقشيش ! ، أو المجرم صاحب القلب الطيب الذى يفعل ما باستطاعته كي ينقذ صديقه المجرم ، ظهوره هو شخصياً في دور صغير يتعاظم تأثيره بعد ذلك في أفلامه الأخرى رغم أنه لا يملك أي كاريزما تمثيلية من أي نوع ، العنف الدموي الصارخ الذى يصبغه بشاعرية غريبة تجعلنا نتفهم بالمقابل العنف المتزايد في الواقع ، سمات مشوار تارانتينو السينمائي كلها واضحة و جلية هنا ، نضج مبكر جداً أعلن به نفسه أمام العالم .

كما كان سكورسيزي و كوبريك و سيرجو ليوني مصدر إلهام لتارانتينو على مدار مشواره السينمائي عامة و هذا الفيلم خاصة ، أصبح تارانتينو نفسه مادة إلهام حية - كسكورسيزي - لكل عشاق السينما .