الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

The Dance of Reality

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4/5

بطولة : برونتيس خودروفسكي ، باميلا فلوريس
إخراج : أليخاندرو خودروفسكي (2013)

الغورو .. في سبر أغوار ماضيه

إن مشاهدة فيلم لخودروفسكي كانت بالنسبة لي أشبه بالتواجد مع المُخرج نفسه في غرفة ذات ضوء خافت لعالم يشن معركة خاسرة ضد الظلمة الدامسة , حجرة كئيبة بتأملات همجية , شخصيات ناشزة , و صور مكتنفة بالأسرار تُجبرني مُشاركته أحد كوابيس عقله الباطن التي أخذ على عاتقه أمانة نقلها كما وجدها بعينه السينمائية الاستثنائية التي لا تزال حاضرةً حتى اليوم ، المُخرج المُقيل يمقت الواقع , ذاك الذي حرمه من مُشاركة شغفه السينمائي خلال العقدين الماضيين كما يُخبرنا العمل التوثيقي الرائع Jodorowsky's Dune العام الماضي و يُبشرنا بعودةٍ (ربما أخيرة) له ؛ ما زال يرى الأنسان كأقدم الحيوانات على سطح البسيطة و أكثرها ضياعاً (أفتتاحية عمله تهجو ذلك) , و ما صلة لفظ (الأنسانية) بـ (الأنسان) إلاّ تشابه من باب الصدفة المحضة ، حتى عندما يتكلم بصيغة الـ (أنا) , لا يتجرد كثيراً من مفهومه هذا !

في سرده الأوتوبيوغرافي لنشأته الصعبة , نشاهد الثورة في كل شيء , ثورة إبتدأت معه منذ نعومة أظافره , أو بمعنى أصح فُرضت عليه ؛ ثورة ضد السياسة , ثورة ضد الدين , ثورة ضد المُجتمع , و ثورة ضد الحياة ؛ البحث العضال عن الهوية يقوده للغوص مرة جديدة في هلاوس عقله الباطن ليبني منها خيالاً منسوجاً من الذاكرة , لا شيء يُمثل تحدياً أكبر له غير إفاقته من الثمل الذي يُغنيه عن هرطقة الواقع المؤلم الذي يُعاصره .

خودروفسكي يجد في عائلته الصغيرة (نظرياً) الشكل الأمثل لتجسيد هذه الثورة , والده يهودي شيوعي مُهاجر الى تشيلي في بحث عن كيان ضائع , و والدته أشبه ببيرمادونا (مغنية أوبرا) تدندن بدلاً من أن تتكلم ؛ المخرج يُخبرنا بذلك و هو يقف على الحد الفاصل بين الواقعية و سرياليتها , يجعل من عملية إدراكنا للحقيقة المُغلّفة عن الزيف الواضح مهمة أشبه بالمستحيلة ، يرويها بشكل ضبابي عابث و رمزية مُبطّنة لكل صدمة جديدة تضرب بأرضه , و هي كثيرة!

الحالة الميلودرامية الكبيرة التي أظهرها في العمل , جالباً تعقيدات صغيرة مؤثرة على الأحداث , جعلته أشبه بسيرة منطقية تتناول تلك الحقبة بفلسفة عظيمة و شعور كبير من الصعب تفسيره أو الحد منه ؛ (سينما الحلم) هو ما يُمكن أطلاقه على أعمال رجل كهذا , خروجه اللا طوعي عن أي نمط من الأنماط الفنية المكتوبة أو المُشاهدة , عرقلته للإرتباط المكاني و الزماني الذي تسير عليه و إخراجهما من ماهيتهما المنطقية ليرسم به حلم ؛ الشيء الوحيد المؤكد هو أن الجنون سيكون المُحصلة الأكيدة في نهاية الأمر أسوة بما جاء على لسان دالي , نصف الآلهة التي يُقدسها , "لكي ترسم بإبداع يجب أن تكون مجنوناً" .

خودروفسكي , السريالي المُختلف , في هذا التجربة التطهيرية يُصبح أقرب قاب قوسين من سريالية سيدها (بونويل) و باروكية (فيلليني) في كونه وجد الأرض الأقرب للواقع لتأسيس الحكاية المُتخيّلة منذ عقود طويلة , يعتق الصورة الثابتة من عبودية الكادر و ينفخ فيها روح جديدة قادرة على النقد بأقل قدر من الكلمات , فضلاً عن ذلك يُغني العمل بحوارات حُبلى بالطرائف و الألم على حد سواء و موسيقى رخيمة تتوج عودته المُنتظرة هذه أكثر و تضيف لكل لقطة حساً و أبعاداً تقلل من زيفه (الواقع) لنخرج من العمل محترمين عظمة السينما حين تشبه الحياة عموماً!

بكاميرا ديجيتال محمولة , كاست مكون من العائلة الخودروفسكية فقط , و إمكانيات تقنية بسيطة في زمن المُعجزات , نقف بإندهاش أمام عمل إستثنائي آخر لمُخرج أستثنائي .