الخميس، 16 أكتوبر، 2014

Hyenas

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : منصور ضيوف ، آمي دياخاتي
إخراج : جبريل ديوب مامبيتي (1992)

"أكثر من ذي قبل أؤمن بأن الأفارقة – على وجه الخصوص – عليهم إعادة اختراع السينما" - مامبيتي

بعد عشرين عاماً من فيلمه الأول والأهم Touki Bouki يخرج جبريل ديوب مامبيتي فيلمه الثاني ، السنغالي حوَّل مسرحية (الزيارة) للسويسري فريدريش دورينمات إلى آخر فيلم طويل سيصنعه ، والثاني فقط خلال مسيرته بجانب خمس أفلام قصيرة أخرى.

الفيلم بلا شك صاحب مرتبة متقدمة في أي قائمة للأفلام الأفريقية العظيمة ، الكثير من أفلام أفريقيا لا تخلو من سياسة وأعتقد أنه لابد أن لا تخلو من سياسة ، بدافع مشابه لما قاله وودي آلان عن فيلم دي سيكا العظيم The Bicycle Thieves بأن عندما لا تجد ما تأكله فإنك لن تفكر في الوقوع في الحب أو المعنى الوجودي لحياتك !

تعود العجوز رامتو إلى قريتها التي هجرتها منذ سنين وهي أغني من البنك الدولي بحد زعم أهل القرية ، تَعد راماتو القرية بأن تجعلهم أثرياء عوضاً عن حياتهم الفقيرة ، درامان صاحب متجر للبقالة – أغلب بضائعه غربية – وقد كان حبيب راماتو السابق ، كما أنه كان أب ناكر لنسب بنته منها ، تشترط راماتو في مقابل وعدها الفردوسي لأهل القرية أن يقتل أحدهم درامان .

بعد أن أغرقت راماتو أهل القرية بالسلع الغربية أصبحت المعضلة الأخلاقية لديهم تنحصر فيمن يقتل دارمان ، من يحمل وزر إزهاق روح الرجل ، يبدأ أهل القرية بشراء بضائع لا طاقة لهم بها من درامان نفسه ، المسكين يتعجب من أين لهم أن يسددوا ثمن تلك البضائع ، لكن أهل القرية يعلمون أنهم سيسددوا ثمنها بعد أن يُقتل درامان ، ضربة ساخرة كبيرة وذكية من المخرج السنغالي.

مامبيتي يعرض في فيلمه الخواء المصاحب للمادية الغربية الممثلة في البضائع الأجنبية في مقابل استقلال أفريقي غير محقق ، يعتقد مامبيتي أن الاستقلال لا يحدث وسط الفقر والجوع والجهل ، كما يعتقد أن مهمته الأكثر وضوحاً هي تحديد أعداء الإنسانية خاصة المال والأمور المتعلقة به ، يبشِّر في فيلمه بأن الإنسان العادي أقرب إلى ضبع جبان لا يقتل منفرداً ولا يخجل مجتمِعاً .

يدعي مامبيتي بأن شخصية راماتو هي امتداد لشخصية الفتاة في فيلمه Touki Bouki التي عبرت المحيط لتذهب إلى الغرب ، قامت الفتاة بامتهان الدعارة التي ادرَّت عليها مال وفير ، ثم عادت إلى الماضي محملة بالمال و الضغينة ، تقول لأهل القرية أنها تحولت إلى عاهرة لكن بإمكانها الآن تحويل العالم إلى بيت دعارة كيلا تشعر بالغربة ، حيث أنه لا يمكنك أن تحمل تذكرة دخول لحديقة الحيوان طالما أنت بالأصل في الغابة ! ، راماتو اشترت الجميع بالمال .. الحاكم .. المعلم .. الشرطة .. القاضي ، لكن خلال سعي راماتو في تحقيق مرادها و حتى بعد تحقيقه سنجدها تزداد تعاسة و بؤس ، أحياناً السعي وراء السلام الروحي يكون له نتائج وخيمة على السلام الروحي نفسه .

درامان ليس ضحية بالكامل فهو قد دمر حياة راماتو عندما كانت فتاة ساذجة ، احضر شاهدين للزعم بأنها على علاقة بآخرين و بالتالي الطفل التي انجبته قد لا يكون طفل درامان ، ثم تزوج درامان من ابنة صاحب متجر البقالة حتى ورثه ، لاحقاً سنعرف أن راماتو لم تنس الشاهدين و قامت بإخصائهما ! ، بصرياً لا نرى أي شيء من الماضي ، فقط نرى درامان شيخاً عجوز يشعر بالرعب و القلق على حياته حتى من الشرطة ، أثناء الفيلم يمكننا ملاحظة نموذج كيبلر – روس لمراحل الحزن الخمس ، لا أعتقد أن مامبيتي كان يقصد هذا التسلسل ، لكن يمكننا متابعة إنكار – غضب – مساومة – اكتئاب – تقبل درامان لما سيحدث .

استعان مامبيتي بطاقم تمثيلي غير محترف ، السنغالي مخلص لعقيدته الإخراجية التي ترى الفيلم بمثابة حلم ، فمن المزعج جداً لديه أن يرى ممثل قد سبق له أن مات مثلاً في فيلم سابق قد صار حياً في فيلم لاحق ، هذا يكسر قدسية الهالة المحيطة بوهم الفيلم لديه .

في نهاية الفيلم تختفي القرية بفعل الجرافات ، تُهدم القرية حتى تُبني مدينة عصرية جديدة ، ثم يختتم الفيلم بمسيرة للأفيال يصاحبها أغنية تقول "إن لم تنهض وتبدأ العمل ، كيف ستحصل على حريتك؟" القرية هي مسقط رأس مامبيتي بالفعل وتم تحويلها إلى سوق تجاري مجاور للعاصمة داكار .

ألوان الفيلم خاضت معارك أسلوبية و انتصرت ، الألوان بصفة عامة تلعب دور مزاجي مهم في سينما مامبيتي ، ألوان Touki Bouki مثلاً ذكرت النقاد بتحفة جودار Pierrot le Fou ، لكن بعد عشرين عاماً من فيلمه الأول أصبحت ألوان مامبيتي شديدة القتامة وهو يقدم رؤيته للإنسان الضبع كما يتخيله ، ملابس راماتو الفاتحة في أول ظهور لها في القرية تحولت إلى ملابس داكنة طوال الفيلم ، ربما كانت محاولة لاستعادة البراءة لكن بلا جدوى ، ملابس أهل القرية المتنوعة ستتحول في النهاية إلى أجولة رز ، فالجشع وحدهم و طمسهم حتى يصبح كل شيء مباح.

كل شيء يشير إلى أن المادية قد حققت النصر في معركتها ضد التقاليد والثقافات القديمة ، مامبيتي ينعي الماضي والمستقبل معاً .

"أريد أن أكشف غموض السينما ، خاصة فيما يتعلق بالمال ، أفريقيا غنية بالسينما .. بالصور ، المستقبل ينتمي إلى الصور ، طلاب السينما عليهم الانتظار لاكتشاف أن صنع الفيلم مسألة حب ، لا مال" - مامبيتي