الأربعاء، 22 أكتوبر، 2014

بداية و نهاية

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4/5

بطولة : سناء جميل ، أمينة رزق ، فريد شوقي ، عمر الشريف
إخراج : صلاح أبو سيف (1960)

هو فيلم أسود ، ميلودراما أسرة متوسطة تعيش عهد ما قبل يوليو 52 ، الفقر المدقع الذي يجبر الإنسان على ارتكاب خطيئة تخليه عن إنسانيته ، لهذا السبب رفض عدد من المصريين أدب وسينما نجيب محفوظ ، لأنها تعرض واقع مؤلم و شخصيات مُدمِّرة مُدمَّرة ، شخصيات عبث معها الواقع كثيراً و بادلته العبث أحياناً ، مناخ قاتم بلا هواء نظيف ، شخصياً أتمنى أن أعيش في البلد الذي يعيش بها الرافضون للرجل !

لا شك أن بداية ونهاية هو أحد أفضل أفلام السينما المصرية ، الفيلم يمتلك طاقات و عناصر تؤهله ليكون فيلماً مهماً لكنه صار فيلماً عظيماً ، قصة أديب مثل نجيب محفوظ و سيناريو مجتهد جداً لصلاح عز الدين ، موسيقى فؤاد الظاهري التي كانت أصيلة جداً وهي ترافق كاميرا كمال كريم في تعاون جديد بعد إنجاز تحفة آخرى هي شباب امرأة ، مخرج مجرِّب مثل أبو سيف يمتلك طاقم تمثيلي به سناء جميلأمينة رزقفريد شوقيصلاح منصورعمر الشريف .

بعد وفاة الأب تجاهد الأرملة (الأم / أمينة رزق) للحصول على معاشه ، خلال سقوط تلك الأسرة من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة ثم نهوضها من جديد يمكننا ملاحظة تطور الأبناء الأربعة ، (حسن / فريد شوقي) سيصبح بلطجي – (حسين / كمال حسين) سيصبح موظف – (حسنين / عمر الشريف) سيصبح ضابط بالجيش – (نفيسة / سناء جميل) ستصبح فتاة ليل .

من الجيد أن لا نعول على ما وراء الأسماء لكن في حالة فيلمنا هنا لا يمكن أن نغض الطرف عن (حسن / حسين / حسنين) ! حسين كان وسطاً متعادلاً ، بينما حسن شخصية طيبة القلب و إن كان بلطجي ، حسنين شخصية وضيعة وإن كان ضابط ،  شخصية حسين كانت ذات بعد واحد و طريقة معالجة الشخصية كانت فقيرة من حيث الأداء ومن حيث كتابة السيناريو ، فقد كان وجوده – وما وراء وجوده – مباشر أكثر من اللازم حتى لتشعر بأنه مدسوس على الفيلم ، ربما هو الشخصية البيضاء الوحيدة في العمل مع الأم ، لكني أعتقد أن تلاشيه كلياً أو تدريجياً كان ليزيد الفيلم جمالاً وغموضاً ، و الفن يحب الغموض كما نعلم .

بينما (نفيسة / سناء جميل) كانت في إعتقادي الإلهام الأكبر في الفيلم ، فهي دائماً تسعى لتلبية حاجات ورغبات حسنين على وجه الخصوص بدون أسباب واضحة ، لكن حسنين لا يقدر صنعها و لكن يدينها دائماً بدوافعه الأنانية ، في دقائق الفيلم الأولى تعرض مالكة المنزل على نفيسة أن تعمل كخياطة ، قديماً كان هذا عمل أدنى بالنسبة للطبقة المتوسطة ، تتحدث السيدة مع الأم لبضع ثوان لكن الكاميرا ستظل تقترب من نفيسة في لحظات مهمة بالنسبة للشخصية و بالنسبة للممثلة ، تذوب أصوات الممثلين في الموسيقى بينما وجه نفيسة يتحول تدريجياً ، توقيت أبو سيف في هذا المشهد استثنائي ، يزيد من ضغط الواقع على نفيسة ضغط الأم و الأخ اللذان يتحركان ناحيتها بثقل و يضيقان باستطراد مساحة الكادر ، إلا أن نبل كاميرا أبو سيف ستتراجع خطوتين لتعطي للمسكينة مساحة للتنفس .

كاميرا أبو سيف المائلة في المشهد الذي يراود فيه (سلمان / صلاح منصور) – الذي قدم أداءً بديعاً – نفيسة عن نفسها و ينجح ، هي كاميرا تُرجح عدم الاتزان لدى نفيسة ، وضع مائل يحاول أن يرادف الحالة النفسية التي تمر بها نفيسة ، حيث أنها تعتقد أنها لن تتزوج لفقر عائلتها ، لكن حاجتها للحب وللشعور بأنها مرغوبة يجعلها فريسة لرغبة سلمان ، سلمان نفسه سيتزوج غيرها ، يقودها اليأس و الرغبة في الإنتقام إلى السقوط ، و إن كان السقوط هو سقوط العائلة و المجتمع .

هناك فرق و تشابه بين العملة التي تمسكها نفيسة عندما حصلت على أول أجر مقابل عملها خياطة و العملة التي ستمسكها عندما تحصل على أول أجر مقابل عملها في البغاء ، الأسلوب الإخراجي يجعلنا نرى نظرة نفيسة للعملة واحدة ، العملة تشكل إنتقاصاً لها رغم أنها في حاجة إليها ، لكنها في المرة الأولى قابلت الأمر بالدموع وفي المرة الثانية قابلته بالذهول.

تعجرف حسنين سيحدث له خلل عندما تتم مواجهته بحقيقة يعرفها وهي أن أخاه الأكبر حسن ساعده ليكون ضابطاً عن طريق عمله كبلطجي ، ثم ستوجه له ضربة قاصمة عندما تتم مواجهته بحقيقة أخرى لم يعرفها وهي أن أخته تمارس البغاء لتلبي حاجاته ، يمكننا أن نرى ذلك في المشهد الأخير عالي التباين ، التباين العالي لا يفترض وجود تردد لدى حسنين لكن على الرغم من هذا يأتي التردد و يأتي معه الخلاص ، أداء عمر الشريف المفتعل أفقد المشهد العظمة المتوقعة و الإنصهار المنتظر طوال الفيلم .

لم أمنع نفسي من تذكر الإيطالي فسكونتي و تحفته Rocco and His Brothers ، لا أستطيع إعطاء أسباب مقنعة لكن ربما لأمور لها علاقة بالبناء الدرامي أو استخدام الموسيقى ، لكن الأرجح أن هناك تشابه ملحوظ بين الفيلمين في الانفراجات الهشة الممنوحة للشخصيات المسحوقة .

"إذ هانت عليها الحياة حقاً ، بالفعل لا بالقول ، هانت الهوان الذي يجعل الموت نجاة" نجيب محفوظبداية ونهاية