الخميس، 23 أكتوبر، 2014

Gone Girl

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4/5

بطولة : بن أفلك ، روزاموند بايك
إخراج : ديفيد فينشر (2014)

هناك نوعية من المُخرجين الذين لا تجد في مسيرتهم الكثير من تلك الأعمال التي تستحق الوقوف عندها مطولاً , رُبما لأنها لا تقدم للجمهور ما ينتظره أو يُفضله , رُبما لأنها لا تحمل خصوصية الصانع و تحتوي بصمة التعريف به , و رُبما لأنها تكون مُجرد محاكاة لبعض الكلاسيكيات بنظرة مُعاصرة , ديفيد فينشر ليس هكذا على الأطلاق ! ، في فلمه الأخير, يجمع فينشر الثلاثة – الخصوصية , البصمة , المحاكاة المُعاصرة - مع عنصر المُفاجأة لنص مُتفرد على الورق و يفجر به قنبلة عاشرة على الشاشة يستحيل أنكار دوافعها و نسيان ضحياها !

قبل وقت قصير من الكتابة , قررت الأطلاع على الرواية "بيست سيلر" التي أشتقّت منها نفس الكاتبة النص السينمائي الذي دعمت به إنتقادها للمُجتمع الأستهلاكي الذي يتغذى على تقلبات الأعلام الزائف الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من قلب كل عائلة و فكر كل فرد , المُجتمع الذي يرضى بتصديق أي (خبر) ما دام (مجانياً) , و يتغذى على هموم الآخر من أجل أشباع يومه الروتيني الكئيب , مُجتمع (البقاء للأقوى) .. أو (للأكثر خداعاً و حيلة) !

غيليان فلين , صاحبة روايات الغموض الثلاث الأكثر شهرة وسط الصنف منذ استهلال الألفية الجديدة , تقدم لنا برهان آخر على كون السينما الأمريكية يمكن أن تبلغ - و لو في مرات قليلة - سوية الأدب الذي تقتبس منه , ليس فقط لأن إمكانيات الشاشة في التعبير أدنى مما هي بالنسبة للكتاب , بل لأن السينما , التي يجري تحقيقها بالشكل اللامع الذي عُرفت به , يمكن أن تمضي مُتكاملة عن المُتطلبات القليلة لباقي أنواع الفنون , و هنا كانت السيناريست في ظهر مُخرج يعرف من أين تؤكل الكتف , ترتفع معه كل خطوة نحو تقديم الشريط الأدبي / السينمائي الأكثر ثراءً و متعة منذ رائعة الأخير The Social Network .

في هذا النص الهوليوودي الفاخر ، فلين تُلقي الضوء على سطح العلاقة الزوجية التي جمعت ثنائي نيويوركي في القمة قبل أن تسحبنا للعفن الذي يختبئ في البهو المُظلم و يستتر خلف الأبواب الموصدة ؛ (نيك و أيمي) يشكلان هذا الرباط الأمريكي الذي لا تشوبه شائبة , يُجسدان التكامل المطلوب لنجاح أي علاقة زوجية , (هو) شقّ طريقه بالإعتماد على صدى موروث النجاح الذي حازته (هي) سابقاً من عملها في أدب قصص الأطفال , كلاهما يبدو سعيداً بما لديه , و راضياً برضا الآخر ، في صبيحة عيد زواجهما الخامس , تختفي إيمي ، و لا يستغرق الأمر بضعة ساعات قبل أن يبدأ الجميع - مدفوعاً بالفضول السلبي - بإحراز إجابة سؤال المليون دولار : هل قُتلت ؟ إنتحرت ؟ خُطفت ؟! ، و هنا يفتتح المُخرج لعبته السادية في شحذ الإثارة الذهنية و شن حرب الترقب و هو يقوم ببتر أطراف هذه العلاقة من جذورها في أشرطة أرتجاعية (فلاش باك) تعد مونتيره الأثير كيرك باكستر بأوسكار رابع لذهبياته الثلاثة معه .

في الكثير من الأحيان يصل الإتقان في تقنية السرد الى أن يبث في الشخصيات حالة مُتألقة من الحضور الطاغي لجميعهم دون إستثناء , و أنا أفكر بصورة خاصة في تلك المشاهد التي ستكّون حلقات مفتوحة لنقاش الطاولة الطويلة , تلك التي تجمع (فينشر) بـ (دي بالما) و (هيتشكوك) في لقاء من غير ميعاد , حيث كل شيءٍ يبدو خادعاً منذ النظرة الأولى و لا أحد يبقى على سويته , و فينشر هنا يلعب على نفس الأوتار التي طبعت بعض أفضل أفلام الفئة : الفتنة , المكيدة , الإغواء , الجنس ، الشخصيات المُختلة و الأحداث الملتوية ، رُبما سأستثني الإشادة أكثر لروزموند بايك في دور المعنية المُختفية , هي تُمثل كابوس أي علاقة زوجية و حلمها الجميل في آن واحد , لامعة بمجهودها و ذكية في تصديقها لذلك ، أنقسامها في الدور ملموس و حذر جداً , تسرق كل لحظاتها صوتاً و صورة ، (مُدهشة) كما يقترن أسم شخصيتها بهذه الصفة .

إذا كانت هذه الخلاصة قد طالت أكثر بقليل مما يسمح به حرصي على الإحتفاظ للقارئ بمفاجئات الفلم ، فذلك لأن فينشر يتصّنع مُفاجأتنا بينما هو في الحقيقة يفكر أكثر بمسألة الدراسة السيكولوجية المُبطنة لشخصياته و ترقب نتائج الإضطراب النفسي الفطرية و المُكتسبة ؛ إبتكاره - أو جرأته - تكمن عملياً في أن يُقدم بُنى درامية تقليدية , يُحدثها بصورة كبيرة لا تُخطئها العين ، و يشحنها بالتغييرات الذكية المحسوسة في التفاصيل ؛ ضمن هذه الشروط و وفقاً لهذه المعايير الفنشرية - نسبة الى أسم مُلتزمها - يُمكن كسر أية قيود يَفرضها السيناريو أن وجدت و بمعزل عن السيكولوجيا و السوسيولوجيا التي تكون حاضرة بقوة في أعماله على الدوام , يبدو المُخرج أكثر جدية مما يتطلع أليه, و لكنه-  في ذات الوقت - أقل مما يُريد أن يجعلنا نعتقد ! ، و هنا ديفيد فينشر هو ديفيد فينشر الذي يُقدره كل من شاهد أعماله على مر عقدين .

لا أحب الحديث أكثر عن أي عمل أحبه ، و خاصة مع فلم يستنزف كل ذرة من دماغك و أنت تتأمل في تفاصيله الكثيرة و تحاول ملء لحظات الصمت بما تراه مُناسباً و من تؤيد من أطراف صراعاته ، أحياناً تركها هكذا يفوق أي حديث عنها ، و لذا سأكتفي بالقول : لا تفوت مُشاهدته.