الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

Mephisto

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : كلاوس ماريا براندور ، كريستينا ياندا
إخراج : إشتيفان سابو (1981)

المسرح انعكاس للواقع , الواقع يحاكي المسرح , هذا ثاني فلم اشاهده للمخرج الهنغاري استيفان زابو يتناول فيه هذه الفكرة , كما في ان تكون جوليا , كان المسرح مكاناً لتصفية الحسابات , هندريك في تحفته ميفيستو كان المسرح هو الشيء الوحيد , والوحيد فقط الذي ينتمي له هندريك , الرجل الذي يملك طموح الصعود على السلم درجة درجة للوصول لرأس الهرم , حتى ولو كان على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة , هنا شخصية تصل لقمة الانحطاط ونكران الذات في سبيل ان تعيش حلمها الخاص .

الشخصية التي قدمها زابو من الصعب وصفها بكلمات غير مهينة رغم انه اعطاها المساحة الكافية للهرب أو لعدم التورط و الغرق في المستنقع الذي داست فيه , ولم يحرمها من شفقة المشاهدين باعتبارها شخصية تملك موهبة تجعلها قادرة على التخلي عن كل شيء لتبقى حية , وتبقى بارزة و هي الموهبة التي تبلورت و تأججت مع أداءه لشخصية ميفيستو والتي عُرفت فيها بين اوساط النازيين , بين اوساط من تخلى عن نفسه من اجل ان يستطيع ان يعيش بينهم بأدنى الشروط الانسانية و اعلى المراتب الاجتماعية , هذه كانت معادلة هذه الشخصية , التي لعبت دور مفيستو بأتقان شديد , وميفيستو هي شخصية الشيطان في الدراما الألمانية الشهيرة (فاوست) والتي أغرت فاوست لبيع روحه .

شخصية لا تملك سوى القناع , يقول هندريك في بداية الفلم ان مشكلته الاساسية أنه ممثل محترف , تمكن قبل وصول الحزب النازي من الزواج بابنة رجل مرموق فبدأ يتسلق الهرم (ارتدى القناع) , و عند وصول الحزب النازي تحول من رجل ذو افكار ثورية لذيل نازي متخفي مرة اخرى (تحت القناع) اصلاً لأنه رجل لا يملك أي مبادئ , قدرته على ارتداء القناع همشته تماماً , اصبح هو القناع و القناع هو الشيء الوحيد الذي يستطيع تقديم نفسه من خلاله , لدرجة لم يعد يعبأ داخلياً بالإحساس بالجدل ما بين ارتداءه للقناع او خلعه , بجولته في باريس قال بينه و بين نفسه وهو ينظر في كل مكان , "الحرية .. من أجل ماذا ؟" , وحتى عندما وصفته مدربته السمراء بأنه رجل غير وسيم يملك عيون باردة لا تعرف عن ماذا تعبر , اعتبرها اشبه بإطراء , و نظر في المرآة ليتأكد من صحة كلامها .

لم يبخل الفلم ولم يوفر عناء تصوير مقدار الانحطاط الذي وصل له , مقدار نكران الذات في دراسته لهذه الشخصية التي تنظر لها وتشعر بمقدار الغرق الذي تعيشه , ومقدار الدونية التي وصلتها , و قوة الفلم تكمن في ازدواجية مميزة , انك بنفس الوقت الذي تشعر تجاهه بالدونية و مقدار الاهانة التي استطاع بلعها , إلا انك لا تستطيع سوى ان تشفق عليه , وان تشعر كم هو ميت داخلياً , عينيه لا تعكس اي مشاعر , هذا اداء عظيم قدمه هذا الممثل الألماني بأن استطاع تصوير ابجديات هذه الشخصية المعقدة و المتشربكة , ولم يبخل الفلم ايضاً في اعطاءه الفرص للنجاة انسانياً من هذا المستنقع , لكن كل فرصة كانت تأتيه سواءً بالاحتجاج او بالهرب كان يحولها لمقاومة داخلية تعيده لنفس المستنقع "اصبح نازيا أكثر منهم" , و عندما قام الجنرال بطرده من مكتبه وناداه بـ "الممثل" , كانت هذه الكلمة في هذا المشهد أشبه بتهمة او شتيمة , أو بالأحرى هي الوصف الأدق لهذا الشخص , الذي ارتدى من الشخصيات ما جعله ينسى نفسه , هذا الفلم يستدعي شخصية مازوشية لا تستطيع العيش خارج محيط ضاغط متوتر معيق جالد للنفس , الحرية تؤذيها , الوضوح يؤذيها , الشفافية تقتلها , كرجل أدخل نفسه كهف افاعي و ابتلع المفتاح , ومع ذلك ما زال مصراً على البحث بين الافاعي عن الكنز , شرارة واحدة من الضوء , تقتله , تمحي اسمه تماماً و تحوله عكس ما كان عليه طموحه , هذا الفلم يصور شخصية بمنتهى الانتهازية .