الأحد، 14 سبتمبر، 2014

Only Lovers Left Alive

كتب : فراس محمد

التقييم : 4/5

بطولة : تيلدا سوينتن ، توم هيدلستن
إخراج : جيم جارمش (2013)

اسم شخصيتي جارموش ، آدم وحواء ، لكنها ليست بداية الخليقة ، ربما هنا شهادة على نهايتها ، نور الشمس غائب تماماً ، ليس لأن آدم و حواء هما اساساً مصاصا دماء ، بل لأن الضوء لن يقدم في حياة شخصيتيه الشيء الجديد ، لن يقدم لهما رؤية افضل ، نظاراتهما السوداء صالحة لليل ايضاً ، وكم لهما مشاهد ايقونية بهذه النظارات والثياب الفضفاضة مستندين على جدران مدينة طنجة الاثرية أو في أحد زوايا نادي ليلي في ديترويت .

قصة مصاصي الدماء بدت لي استعارة عن الانتماء لزمن ليس زمانهما ، رغبة جارموش في تصوير هوس أدم بآلاته الموسيقية الاثرية , وانعزاله في مكان واحد رافضاً للزمن أن يتسرب للداخل , ليس في الجديد شيء مثير ، الفلم في بعض اجزاءه بدى رؤية من بعيد لمجرى التطور , لحركة التاريخ ، للإنهيار ، ولولا اعتماد جارموش في بعض الفترات الاخرى على القصة أكثر من الفكرة لكان الفلم حمل معاني أكثر عمقاً وقوة ، ولكن في كلا الحالتين ، ما يبرز في هذا الفلم هو قدرة جارموش الكبيرة على زرع المشاهد أمام الشاشة , وعلى السيطرة عليه بأجواء الفلم الساحرة ما بين شوارع ديترويت المهجورة وازقة طنجة الاثرية ، حيث دندنات العود تتردد بين الجدران المتلاصقة ، و في المقاهي اغنية (القلب بيحب مرة) على صوت العود ، اعرب مصاص الدماء عن اعجابه بالمطربة اللبنانية ، وتمنى لها ألا تنال الشهرة ابداً ، جارموش يعكس ربما عدم قدرته على فهم الطريقة التي يتم التعامل فيها مع الفنون في هذا الوقت ، النظارات التي عادة يرتديها في صوره تشبه كثيراً ما ترتديه حواء وآدم ، ربما يتمنى لنفسه إلا يكون مشهوراً اسوة بالمطربة اللبنانية ، و طنجة مدينة اثرية ، لم تتأثر كثيرا بميزات العصر الجديد ، مكان مناسب لكي يحيا الخالدون ، و مصاصو الدماء ، وخصوصا ممن عاشوا الفترات التي لا يمكن ان تعود .

الشيء المثير في الفلم هو خلق هاتين الشخصيتين ، صنع الكاريكتر في مخيلة جارموش وطريقته في تجسيدهما ، مشاهدهما سوية محيرة من الناحية الزمنية ، هيئتهما تدل على العصور الوسطى واحاديثهما عصرية و متناقضة ، حواء تمتلك موبايل متطور ، آدم يستخدم آلات كهربائية قديمة جداً في التواصل على الطريقة الحديثة ، حديثهما عن التاريخ يشبه حديث ذكريات ، جارموش فعلاً يطرح فكرة مثيرة للإهتمام ، من عاش الفترات السابقة من التاريخ كيف كان سيجد الفترة الحالية , التي لا تملك خصوصية الفترات السابقة ، هل سيشعر ان الكون متجه نحو الانهيار مع هذا الكم الكبير من التطور ، في حديث عابر جرى خلال الفلم , هناك شعور ان الانسان سيعود في المستقبل للبحث عن الحاجات البدائية التي كان يبحث عنها في الماضي ، وربما قد يفتعل حروباً من أجل الماء ، وهذا وارد ، ولكن الفلم ابقى على شعلة الفلم الرومانسية مضيئة ، علاقة آدم وحواء علاقة تشبه التاريخ ، هما رغم حبهما لبعضهما لكنهما لا يستطيعان ان يعيشا معاً للابد ، لذلك كان في ديترويت ، وكانت في طنجة ، لقاء آدم بحواء مجددا احياء لمفهوم الحب ، الشيء الذي لا يجب ان يموت في هذا الزمن الذي يموت فيه كل شيء ، ومن بعد آدم وحواء ، نذر الحب و طقوسه يجب ان تستمر ، وكان الوعد في طنجة ، المدينة التي تجمع الماضي والحاضر دون تعارض ، دون صدام ، المدينة التي لا تهتم كثيراً إن صعد أحد للقمر ما دامت اغنية القلب بيحب مرة مازالت تُطرب الحاضرين ، مادامت الجدران قائمة و صفراء وتحبس الماضي .

الفلم قد لا يكون الأهم لجارموش , وقد لا يكون الأفضل في عامه ، لكن وجود رجل بخصوصية و ميزات جارموش ليقدم فلماً يصنع حالة مختلفة ومميزة ، هذا الامر يجعل اي مهتم بالسينما يهتم لما يقدمه هذا الرجل بعيداً عن التصنيفات والتقييمات ، الرجل يقدم لك سينما لن تجدها إلا أمام كاميرته ، هذه السينما تذهب لها وتبحث عنها بدل ان تأتي إليك من خلال منصات التتويج او الاقلام النقدية المادحة ، أو سواها من لوغاريتمات .