السبت، 13 سبتمبر، 2014

Deliverance

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : بيرت رينولدز ، جون فويت
إخراج : جون بورمان (1972)

ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان أبطال الفيلم ؟ موقفك ؟ تفكيرك ؟ طريقة تفاعلك مع موقف مثل هذا ؟ ضميرك و أخلاقك ؟ أم أن الضمير و الأخلاق لا يعنيان شيئاُ هنا ؟

بداية قبل أي كلام ، هذا فيلم عظيم ، يؤكد ذلك الرأي مشهد العزف الشهير بين درو - أحد الأبطال - و أحد أطفال تلك المنطقة المعزولة ، تفرد المشهد أنه يمكن تفسيره بأكثر من طريقة ، ممكن مثلاً تفسيره بأنه إشارة إلى العلاقة بين المدينة و بين الطبيعة ببساطتها و هدوءها و استسلامها لأفعال البشر ، و من الممكن ألا نفسره إطلاقاً و يبقى فقط مجرد الإحساس بالجمال الموجود في ذلك المشهد و الاستسلام لإيقاع تلك الموسيقى بل و الرقص معها مثلما فعل أحد سكان المنطقة ، المهم ؛ المشهد عظيم بالفعل و لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن الفيلم لأن تأثيره سيظل باقياً على الأبطال و على المُشاهد على حدٍ سواء .

يجمع السيناريو على أرضية واحدة بين خطورة و إثارة المغامرة التي يقوم بها أبطال الفيلم بما تحمله من مخاطرة و جهل بما يمكن أن يحمله النهر لهم و بين خطورة الموقف الذى تعرضوا له و تلك الإشكاليات الكبرى المتعلقة بالضمير و القانون و تغليب الغريزة في النهاية في اختيار مثير للجدل و توابع ذلك الاختيار على مسار رحلتهم ، يقول بوبي للويس بعد تخطى منحدرات خطيرة في النهر أنهم هزموا النهر فيرد عليه لويس بأنهم لن يهزموا النهر ، شخصية لويس تبدو أنها الأكثر اتساقاً مع طبيعة الصراع الخفي الذى يطرحه الفيلم ، يعلم أن ما يتحكم في مسار الأمور في النهاية هو غريزة البقاء ، لذلك لا يتردد أبداً في تبنى اختيار دفن الرجل الذى اغتصب صديقهم و إخفاء الأمر عن الشرطة في حين يتردد إد و يتبنى درو موقف القانون و يندفع بوبي تجاه الاختيار الذى يحقق له الانتقام و الثأر ، وحده لويس تحركه غريزة البقاء و يستغلها لصالحه تماماً و يبدو في النهاية متصالحاً مع اختياره و مع ما آلت إليه الأمور على عكس الآخرين ، بعد اتخاذ ذلك القرار يبدو أنه لا يمكن فصل منحنيات الإثارة التي تقدمها مغامرة اجتياز النهر عن ما يعتمل داخل نفوس الأبطال فاجتياز النهر الآن لم يعد للمغامرة بل اصبح خلاصاُ لهم مما حدث ، ممكن تفسير ما حدث بعد ذلك بأن الطبيعة بدأت تأخذ موقفاً مما حدث و أنها ترد بالطريقة الوحيدة التي تعرفها ، لا يهم أيضاً التفسير هنا ، السيناريو لا يتبنى موقف طرح إشارات أو إسقاطات تثير تفسيرات ، السيناريو يثير تساؤلاً واحداً يتعلق بموقفك أنت كمُشاهد لو كنت مكان أبطاله ! .

السيناريو في النهاية مُغري لأى مخرج أن يصنع منه إثارة تصاعدية تتخذ من رعب المجهول شكلاً بصرياً و موسيقياً يثير في المُشاهد تأثير انتظار المجهول ، لكن جون بورمان يذهب إلى ما هو أبعد و أعمق و أجمل من ذلك ، صورته و موسيقاه و إيقاعه يتخذوا موقف المتابع لتصرفات أبطاله ، فالاستسلام لمتعة المغامرة في البداية ، ثم المفاجأة مع مشهد الاغتصاب ، ثم الصدمة من مناقشتهم المسرحية لاتخاذ قرار بخصوص جثة المُغتصب ، ثم المتابعة المُرّة للرعب الذى أحاط برحلتهم و بنفوسهم ، لم يكن للسيناريو أن يظهر بهذا الجمال لولا إنجاز بورمان العظيم هنا ، تلك المراحل التي تحدثت عنها واضحة كل الوضوح في مفاصل الفيلم الأساسية : الصورة و الموسيقى و المونتاج ، لا يحاول بورمان طرح موقف معين تجاه أحداث الفيلم و لا حتى موقف تجاه الإثارة و المجهول الكامن في الفيلم ، هو يتابع مثل المُشاهد بالضبط ما يحدث و يستسلم لكل ما يحمله السيناريو من مفاجآت و تحولات .

في نهاية الفيلم يسأل شريف المنطقة إد عن سبب تواجد أربع سترات نجاة بدلاً من ثلاثة معهم ، يقرر إد ألا يكذب و يخبره بحقيقة تلك التفصيلة الصغيرة ، فيطلب منهم الشريف ألا يعودوا إلى المنطقة ثانية لأنه يريد أن يرى تلك البلدة تموت في سلام ، مع ذلك الحوار الساحر ستجد ذاكرتك تسترجع كل أحداث هذا الفيلم الجميل و مُسترجعاً أيضاً موقفك أنت كمُشاهد تجاه ما حدث و كيفية تفاعلك و انحيازك لأحد الاختيارين اللذين طُرحا للمناقشة .