الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

Jeanne Dielman, 23 Quai du Commerce, 1080 Bruxelles

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : دلفين سيريج
إخراج : شانتال آكرمان (1975)

"هذا زمان السأم .." - صلاح عبد الصبور

شخصياً تذوقي للأفلام قبل أن أشاهد هذا الفيلم أختلف كثيراً عن تذوقي للأفلام بعد أن شاهدته ، هذا فيلم مُؤسس مُعلِّم ، فقد كانت مشاهدة الفيلم انتقال مهم بالنسبة لي ، علَّمني أن تفاوت درجات الصبر قد يساوي تفاوت درجات الجمال.

في العادة أهرب من وصف الأفلام الفنية بالمملة لأن الفن – كما أعتقد – لابد وأن يكون "ممتع"، لكن هذا الفيلم "ممل" بدرجة عظيم ، الممل السطحي – كما المتعة السطحية – زائلة ، لذا فلا تناقض لدي بين المتعة الفنية وبين الفيلم ، لأن المتعة المقصودة متعة وجدانية لابد وأن تجدها متى صبرت كفاية لتجدها ، ومتى وجدتها ستظل أبداً تبحث عنها .

جين ديلمان ربة منزل أرملة أربعينية تعيش مع ابنها الوحيد ، بعد ذهاب الابن إلى المدرسة تستقبل الرجال ، خلال أكتر من ثلاث ساعات نختبر ثلاث أيام من الروتين اليومي في حياة جين ، جين تسعى لكي تكون أم جيدة .. امرأة جيدة .. جارة جيدة .. وحتى عاهرة جيدة ، فيلم آكرمان يدفعك بالروتين اليومي والعمل المنزلي لربة منزل إلى الملل الكافي لجعلك تفكر وتشعر ، ستبدأ تفكر في حياة المرأة البائسة ثم حياة المرأة بوجه عام ، ربما ينتهي بك المطاف متأملاً في حياتك نفسها .

مع مشاهدة كل فيلم عظيم وأسلوب فني مختلف أُصبح راضي أكثر عن العبارة المبتذلة "فيلم يُعيد اكتشاف السينماآكرمان هنا أعادت للسينما واحدة من أقوى وأهم خصائص السينما الفنية ، أن تلمس حياة ليست حياتك وكلما كان الفيلم أفضل كلما اقتربت من أن تعيش تلك الحياة ، آكرمان في سعيها لذلك لا تستخدم أسلوب الراوي أو التأثير الموسيقى ، فهي لا تريد أن تقيد المشاهد بقصة أو تدفعه ناحية شعور معين ، وإن كانت ستكشف خلفية ضئيلة كافية لعدم الاحساس بالتيه ، أعتقد أن آكرمان قالت الكثير في الفيلم وإن لم تقله ، كما أن الكثير يحدث تحت سطح شخصيتها وإن لم نر شيئاً منه !

كاميرا ثابتة تنقل لنا لقطات متوسطة لكل ما حذفه الآخرون من أفلامهم ، تفاصيل ما تقوم به جين في المنزل ، كل شيء في حياة جين يتم بصورة روتينية بدون مساحة للارتجال ، تقوم جين – على سبيل المثال – بتلميع حذاء ابنها ، نحن نقرأ هذه الجملة وربما نقرأها قفزاً ، لكننا في الفيلم نرى الحدث أكثر من مرة بوقته الكامل ، لذا هو فيلم عن الاحترام ، الكاميرا الثابتة المتأملة وزاوية الرؤية من الأسفل دفعت النقاد لذكر الياباني العظيم أوزو ، لكن آكرمان قالت أنها رأت أعماله لاحقاً ، على أي حال التشابه الأسلوبي حقق نفس النتيجة ، فنشأت علاقة الاحترام والتقدير بين المُشاهِد والشخصية .

"على أي حال لا أؤمن بوجود اختلاف ما بين الوثائقي والخيال" - شانتال آكرمان

تدريجياً نلاحظ شرخ متزايد يحدث في روتين جين ، البطاطس ظلت فترة طويلة على الموقد حتى احترقت ، تذهب جين لتحضر بطاطس جديدة مع احساسها بخلل يحدث في حياتها ، كما أنها اعتادت شرب القهوة في أحد المقاهي ، جين لا تملك الوقت الكافي لكنها تجلس في المقهى وتطلب القهوة ، تترك ثمن قهوتها على المنضدة وتنصرف بدون شرب القهوة ، عندما تدخل جين مع زبائنها الرجال إلى غرفة النوم نظل مع الكاميرا خارج الغرفة ، لكن في اليوم الثالث تدخل الكاميرا إلى داخل الغرفة لترصد حالة استثنائية تكسر روتين جين غالباً إلى الأبد ، جين ستشعر بهزة الجماع مع أحد الزبائن ويمكننا كذلك استنتاج أنه أمر لا يتضمنه روتين جين ، بعد بضع دقائق ستقتل جين الرجل بمقص.

التفسير مفتوح للمشاهد في إيجاد السبب التي جعل جين تقتل ، و ستتركنا آكرمان عدد من الدقائق ننظر إلى جين التي تجلس بهدوء ، جين تنتظر شيء لكنها لا تعرف ما الذي تنتظره ، لا نحصل على إجابة وإن كنا حصلنا على عدد كبير من الأسئلة عن الفيلم وعن المرأة ، حيث أن آكرمان حققت أحد أهم وأجمل أفلام النساء دون الحاجة إلى الكثير من الضجيج المصاحب لهذا النوع من الأفلام الثورية ، بل ربما دون الحاجة إلى النوع نفسه .

دلفين سيريج أضافت لأدوارها مع رينيه و بونويل دور أيقوني أعتقد أنه يستحق أن يصبح الدور الذي يتذكر به أهل السينما الممثلة الجميلة ، جدير بالذكر أن مخرجة الفيلم وكاتبته – والتي تُقدِّر بشدة سينما جودار بالمناسبة – أنجزت عملها الأهم في سن الرابعة والعشرين فقط .

"أريد المشاهد أن يحصل على خبرة مادية .. أن يشعر بالوقت يمر ، الأفلام في الغالب تُصنع لتمضية الوقت ، لكني أريد أن يختبر المشاهد الوقت الذي يمر على الشخصية" - شانتال آكرمان