الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

Daisies

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : إيفانا كاربانوفا ، جيتكا سيرهوفا
إخراج : فيرا شيتيلوفا (1966)

البداية : لقطات تدور ما بين ترس دائر لا يتوقف وبين طائرات أمريكية تسقط قنابلها أثناء الحرب العالية الثانية مع إيقاع طبول عسكرية .
الوسط : فتاتان اسمهما (ماري) .
النهاية : وليمة نهاية العالم .

"ماري (1) : لا أحد يفهم أي شيء .
ماري (2) : نحن من لا يستطيعون فهمنا .
ماري (1) : كل شيء قد أصبح فاسداً في هذا العالم .
ماري (2) : ما قصدكِ بكل شيء ؟
ماري (1) : أنتِ تعلمين كل شيء ، أتعلمين حين يفسد كلّ شيء نحن كذلك سنكون فاسدتين أيضاً .
ماري (2) : نحن أيضاً .
ماري (1) : هل هذه مشكلة ؟
ماري (1) : على الإطلاق !"

الفيلم التجريبي (الإقحوانات) يمنحنا فرصة للتعرف على فتاتين شقراء وسمراء لكنهما يحملان الاسم ذاته (ماري) ، وهما شخصيتان أشبه بالكاريكتير الملائم بشدة لفيلم كاريكتيري ، من خلال الفتاتين سنتعرض لمواقف بلا هدف داخل هيكل سريالي لا يحب السرد أو الحبكة ، إنما يقدس روح الفكاهة والكوميديا الصامتة التي تتخذ من تعابير الوجه منجماً لها ، نجد الفتاتين تستغلان الرجال الأكبر سناً وتحصلان على كميات ضخمة من الطعام ثم ينتهى المشهد بأن يركب الرجل القطار ويغادر وحيداً ، يتم طردهما من نادي ليلي لسلوكهما الغير لائق ، يسقطان إلى الأرض بعد أن أكلا تفاحة المعرفة ، قلق وجودي حيث لا أحد يبدو أنه يراهما ، انتقام رمزي "مؤلم" من الرجال و خداعهم للنساء باسم الحب ، المزيد من تناول الطعام ، هل هما ملاكان ؟ ، هل هما ملاكان للموت ؟ ، هل ملاكا الموت ميتان ؟

لا يوجد أي تفسير طبعاً لأي شيء وإن وجدت الفيلم مسلي مضحك فربما لن تُهلك عقلك في التفسير ، لكن أسلوب الفيلم الثوري هو الممتع حقاً وهو ما يجعله أفضل وأشمل مثال لموجة تشيكية تتكون ، فيرا شيتيلوفا استخدمت كل الابتكارات السينمائية الممكنة والمتاحة ، وحولت النظريات التي تؤمن بها لفيلم محسوس ، لم تستخدم ممثلين محترفين ، أخذت تنتقل ما بين الأبيض والأسود والألوان بسرعة مقلقة جاعلة من الألوان مهرجان يُعبر عن حالة الفيلم الرافضة ، كل ما في الفيلم يُعبر عن رغبة في صنع ما قد لا يُمكن صنعه بعد ذلك ، سينما نهاية العالم و سينما نهاية الفن ، وهذا قد تحقق جزء منه لأن الفيلم تم منعه في تشيكوسلوفكيا لسبب سريالي جداً وهو إهدار هذا الكم من الطعام ! ، وتم إصدار قرار بمنع المخرجة من العمل لعشر سنوات ، كان المنع وليس الحذف لأن الرقيب – في أغلب الأحوال – ليس بالدراية الكافية حتى يعرف ما يجب حذفه من العمل الفني ، وفي حالة فيلم مغرق في سرياليته لن يجدي الاقتصاص حتى لو لديهم آيزنشتاين رقيباً.

في الجزء الأخير من الفيلم نجد الفتاتين قد اقتحما وليمة ضخمة لا نعرف لمن أُعدت لكننا نعرف أنهما لا ينتميان للمكان ، يقوما بما يجيدانه دائماً وهو تناول أكبر قدر من الطعام ، ثم تحدث معركة قذف الطعام وتدمير المكان بالكامل ، ثم محاولة إصلاح ما لا يمكن إصلاحه ، فيما أعتقدته إسقاط ساخر على الحرب الباردة وتجسيد لأمريكا وروسيا في هيئة الفتاتين الشقيتين اللتين أفسدتا الأرض ودمرتا الخير الموجود ، أحياناً يكون الاحساس بالسقوط والضياع هو فقط من يمكنه أن يولد كل هذا الجنون والمرح ، يمكننا أن نلاحظ تأثير الفيلم على أفلام جاك ريفيت في سبعينات القرن الماضي وبالأخص فيلمه العظيم Celine and Julie Go Boating .

قطع اللقطات السريع ساهم ببراعة في الحالة الجنونية للفيلم ورغبته الصادقة في العبث من أجل العبث ، يمكننا أن نؤوّل ما نريد تأويله لكن لا أعتقد أنه من المسموح أن نأخذ هذا التأويل بجدية ، فلدينا عدد لا بأس به من الخيوط الدينية والسياسية والاجتماعية بالإضافة طبعاً لقضية المرأة ، لكن الفيلم قطعاً لا يعالج تلك القضايا ، الفيلم يسخر بشدة دون اعتبارات لمدى كون بعض تلك الإشكاليات تحمل درجات متفاوتة من الخطورة ، هي ليست خطرة بالنسبة للتشيكية فيرا شيتيلوفا حيث أنها حصلت على مساحة من الحرية سمحت للفيلم أن يكون ، وقد كان ، مما قد يجعلنا نفكر في أن غياب الحرية لا يمكنه السماح لمثل هذا الجمال والمرح أن يكون ، لذا يمكننا اعتبار الفيلم السخيف العظيم يؤدي كذلك دور نضالي لكونه محفزاً على طلب الحرية ، المخرجة نفسها اعتبرت العمل وثائقي فلسفي بهيئة هزلية لكن من جديد هذا العمل الطفولي لا يصح أن يؤخذ بجدية .

"لا أكترث بترك ميراث خلفي ، فحينما أموت لا يوجد إلا السواد" - فيرا شيتيلوفا