الأربعاء، 10 سبتمبر، 2014

Beau Travail

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : دينيس لافانت
إخراج : كلير دينيس (1999)

"كلنا نمتلك سلة قمامة داخلنا .. تلك نظريتي" - الرقيب جالوب

الفرنسية كلير دينيس تمكنت – بنجاح ساحق – من اختراق عالم الرجال ، فعالم الجيش تناوله الرجال كثيراً لكنهم انشغلوا كثيراً مع مظاهره الشكلية الخارجية ومكونات أفراده النفسية ، لكن دينيس قدمت لنا البيئة المشكِّلة للأفراد والتي تكون أعتى من أي ملمح آخر ، تمكنت دينيس – بتصرُّف وأصالة – من تحويل رواية الأمريكي هيرمان ميلفل Billy Budd إلى شعر سينمائي ، فأصبح الأسطول البريطاني فيلقاً فرنسياً ، وأصبح كل شيء في الرواية شيئاً آخر.

راوي الفيلم هو الرقيب السابق جالوب الذي يتذكر ما حدث في جيبوتي ، كيف كان يعيش في الصحراء وكيف كان تدريبه للجنود ، الحياة العسكرية الصارمة التي كان يحيا بها ولها ، بالإضافة إلى إيمانه الشديد بقائده فورستير ، القائد لا يعبأ بهذا الإيمان ويريد أن يُترك لحاله حتى يكتفى من مضغ أوراق القات ، ينضم للقوات الجندي سنتان ، سنتان جميل الهيئة ولبق مما جعله محبوباً من قبل الجميع ، جالوب يشعر بالغيرة ، يغالي جالوب في عقاب أحد الجنود الذي ترك موضع خدمته ، يحاول سنتان الدفاع عن الجندي المُعاقَب بعصيان أوامر جالوب ، يقرر جالوب عقاب سنتان ، جالوب خطط للخلاص من سنتان قبل أن يفعل الأخير أي شيء ولكن جالوب كان يتحين الوقت المناسب لتنفيذ الأمر ، فقد قام جالوب بترك سنتان في عراء الصحراء بعد أن ترك معه بوصلة لا تعمل، ينكشف مخطط جالوب ويتم تسريحه من الجيش ، جالوب أصبح يعيش في (فرنسا) كمدني ، دون هدف أو إطار منضبط لحياته مما يجعلنا نتوقع رغبته في الإنتحار ، يُختتم الفيلم برقص ارتجالي من قبل جالوب على أغنية تقول "هذا هو إيقاع الليل .. هذا هو إيقاع حياتي".

نجحت دينيس – التي تقدر كثيراً ياسوجيرو أوزو – في تهيئة المزاج والجو العام بإيقاع متأمل صبور وصورة جميلة لطبيعة قاحلة ، دينيس عمدت إلى الحوار المحدود للتركيز على المحيط وعلى البيئة التي تصنع هؤلاء الرجال، فلا تترك للمُشاهِد المجال لينغمس شعورياً مع الرجال ولكن لينغمس ذاتياً في الطبيعة التي أصبح يعيش فيها مثلهم، فيصبح كل شيء – بعد أن كان غريباً – قد أصبح مفهوماً، مثل أوزو لجأت دينيس لقصة بسيطة لكن تلك القصة البسيطة مع الأسلوب الفني المناسب يمكنها أن تقول كل شيء، وتفتح للمُشاهِد آفاق لم يبصرها من قبل وجمال شديد الأصالة لم يسبق أن انتبه له.

الممثل الفرنسي دينيس لافانت – الرقيب جالوب – كان مدهشاً ، فالشخصية تحتمل أبعاد عديدة ، في إعتقادي أن مثل هذه الشخصيات المعقدة تحتاج من الممثل ألا يُظهر تلك الأبعاد كما أن عليه كذلك ألا يُنكرها ، جالوب لا يستطيع العيش خارج النظام الذي أعتاد عليه ، كما أنه لا يستطيع العيش داخله بينما ينال جندي آخر الاهتمام والتقدير ، كراهية جالوب الغير مبررة للجندي سنتان يمكن استنباطها من كبت جنسي مثلي محتمل عند جالوب ، كما يمكن تأويل أسبابها بأن جالوب – صاحب العقل النظامي – وجد أن الجندي "المستجد" لا يستحق كل هذا الحب والتقدير ، بينما اعتقد جالوب – الدقيق الصارم – أنه أجدر بالحب والتقدير في المجتمع الدقيق الصارم ، القائد فورستير لا يكترث بإخلاص جالوب الشديد وهذا قد يكون له التأثير الأهم على إحباط جالوب كذلك.

الإغراق في التناول السياسي والتحليل الجنسي لشخصية جالوب قد يلهي عن الاستمتاع بشاعرية واحد من أجمل أفلام السينما من وجهة نظري ، كما أن شيطان المقارنة بين الرواية والفيلم قد يثير حفيظة المنحازين للرواية ، لكن إن ترك المشاهد تحيزه وتطلعه وجعل الفيلم بمثابة طقس استرخاء فبالتأكيد تضمن كلير دينيس له أن يختبر تجربة لا تُنسى ، استخدمت دينيس خلال تدريبات الجنود موسيقى بنجامين بريتن من أوبرا Billy Budd والتي كان لها طبع مهيب جنائزي ، فتدريبات الجنود أصبحت طقس حياتي لا مفر منه ، مثل شخص يسعي لأن يمتلك جسم قوي فيمارس تدريبات عنيفة لكن عقيدته النفسية بعد وقت ما تجعله يؤمن بأنه أصبح في حاجة إلى جسم قوي ليتمكن من تنفيذ التدريبات !

"القائد فورستير : لمَ التحقت بالفيلق ؟
أحد الجنود : أيها القائد أنت تعرف الحال في روسيا ، لا يوجد مال أو عمل ، لقد ألتحقت بالجيش لمدة عامين وحاربت من أجل روسيا ، لكن من المستحيل أن تحارب فقط من أجل المُثل العليا ، مُثل عليا تتغير باستمرار ، هل تعرف سيدي ماذا أعني ؟
القائد فورستير : أي مُثل عليا؟"