الأحد، 7 سبتمبر، 2014

اليوم السادس

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : داليدا ، محسن محي الدين
إخراج : يوسف شاهين (1986)

فى مناخ كابوسي يسوده الخوف و الاحتلال و الفقر و المرض و الموت يُهدى يوسف شاهين فيلمه إلى جين كيلي الذى - على حد وصفه - ملأ أيام شبابنا بهجة .

لذلك يستوقفني كثيراً أثناء مشاهدة هذا الفيلم استعراض حدوتة حتتنا الشهير الذى يستعرض فيه عُكّا مهاراته الراقصة أمام صدّيقة مُقلداً جين كيلى ، فى لحظة عشوائية اندفاعية أثناء رقص عُكّا ينكشف - و لأول مرة في الفيلم - شعر صدّيقة الحقيقي في لحظة كشف ذات نادرة و جميلة في السينما المصرية ، الاستعراض بأكمله يلعب في تلك المنطقة التي يقدمها شاهين طوال أحداث الفيلم ، حيث اندفاع و تتابع المآسي من تحت أقدام أبطاله و في نفس الوقت تدفق مشاعرهم و أحلامهم وسط واقع طاحن لا يرحم ، و الأهم هو الشعور بالبهجة الذى يستنطقه من بين جنبات تلك المآسي .

يستعرض يوسف شاهين فى خلفية كادراته حارات و شوارع و أراضي مصر ، يربط بطريقة ساحرة نفوس تائهة غارقة فى دوامتها بوطن تائه فاقد لهويته ، كأنه يقدم مرثية لوطن يحتضر و أشخاص على وشك الاختفاء ، لكنه يقدم - كعادته - إيقاعاً مُتدفقاً سريعاً لاهثاً لا يسمح لشيء إلا لتدفق مشاعر شخصياته على الشاشة و كأن حركة كاميرته السريعة تكشف وراءها كماً هائلاً من المشاعر و الأحاسيس المكبوتة ، لذلك يأتي انكشاف شعر صدّيقة في حركة عشوائية سريعة لعُكّا و هو يرقص ، و كأن ما هو مكبوت و مخفى في حاجة إلى مثل تلك الحركات العشوائية كي ينكشف و يتدفق أمامنا على الشاشة .

ذلك التدفق في حركة الكاميرا و في الإيقاع أعطى الفيلم طابعاً شاعرياً تناغمت معه طريقة يوسف شاهين المعهودة في توجيه  الممثلين و في طريقة إلقاءهم لجمل الحوار ، حيث هناك إيقاع موسيقى واضح مثلاً في تقسيم جمل الحوار و زمن كل جملة و وزن الجمل مع بعضها و طبعاً في طريقة الإلقاء ، ليس غريباً على شاهين ذلك الحس الموسيقى الطاغي على الحالة العامة للفيلم حتى في أقسى المواقف تراجيدية ، فالرجل كان يفكر في أن يجعل فيلم الأرض فيلماً غنائياً قبل خروجه بالصورة التي شاهدناها ، الموسيقى لا تنفصل بشكل أو بآخر عن عالم شاهين السينمائي ، و فيلمنا هذا يحفل بالكثير من الموسيقى و الغناء و الرقص .

محسن محى الدين يقدم هنا كل ما يمكن أن يحلم به ممثل : يغنى و يرقص و يتماهى مع شخصية تخلق لنفسها هامشاً بسيطاً يحاول أن يُرضى به طموحاته الكبيرة ، و يقدم مع داليدا قصة حب غريبة بين إمرأة في الأربعين من عمرها و شاب فى عمر  أولادها ، قصة حب لم يحاول شاهين أن يُضفى عليها الحس التراجيدي الطاغي على الأحداث بل أعطاها مساحة قليلة من الكبت و العجز و الكتمان آلت في النهاية إلى مشهد وداع عظيم ، و لعل الاستعراض المذكور في أول المقال يكشف بطريقة مُكثفة و جميلة عن تلك المساحة .

ربما كان غريباً في النهاية أن نتحدث عن الصورة و علاقتها بتدفق مشاعر أبطالها و عن الموسيقى و الحس الطاغي لها في الأحداث في فيلم يحمل نظرة تراجيدية قاسية ، فيلم يقدم أشخاص مُهمَشين في مجتمع مُهمَش يقع تحت وطأة الفقر و المرض و الاحتلال ، يوسف شاهين يقدم دائماً في أقسى مشاهده قسوة جانب تفاؤلي حذر ، و لعل المثال الأشهر هو مشهد المجزرة الشهير في تحفته عودة الابن الضال ، و من بعد النكسة و شاهين يقلب في دفاتره القديمة و دفاتر الوطن القديمة حيث البحث عن الهوية وسط أمواج متلاطمة من الأحداث و الأحلام و الانكسارات ، و يخرج فى النهاية بذلك الإيقاع الذى نعرفه و بذلك الثراء البصرى الذى تسبح فيه شخصيات تلاحق زمن يسير إلى الهاوية مُتمسكة بأبسط الأشياء .