السبت، 9 أغسطس، 2014

Titicut Follies

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

إخراج : فريدريك وايزمان (1967)

"أي شخص لديه عقل يعمل لا يمكنه الرضا بالطريقة التي يسير بها العالم" - فريدريك وايزمان

الفيلم الوثائقي الجيد له قدرة على الصدمة أشد فتكاً من أي شيء آخر، لأنك تدرك أنه ينقل ولو جزء من حقيقة طالما تظاهرنا أنها غير موجودة ، أو كما يقول بازوليني أن الفن الغير مقبول هو الذي يمكنه مقاومة التضمين في عالم يراه كريهاً .

وايزمان مستخدماً خصائص سينما الحقيقة Cinéma vérité – المصطلح الذي لا يحبه –  يضعنا في مصحة نفسية للمجرمين ، لا يجعلنا نختبر بل نلاحظ ونراقب كيف يتم معاملة المرضى من قبل طاقم المصحة بأساليب لاإنسانية مفرطة ، لا نعرف خلفيات المسجونين المرضى أو طبيعة جرائمهم ، كما لا نعرف إن كان طاقم المستشفى غير مدرب أو غير راغب في معاملة المرضي بصورة طبية أو إنسانية لائقة .

أعتقد أن الأكثر غلظة واستدامة في وعي المشاهد كان تجريد المرضى من ملابسهم بالكامل و بصورة مستمرة ، الدوافع غير مبررة ربما يكون وضع المرضى عراة أكثر راحة لطاقم المستشفى ، هي صورة كريهة لا يمكن تجنب الخلط بينها وبين صور المعتقلين في معسكرات الإبادة النازية .

أحد المرضى غير راغب / قادر على تناول الطعام ، يتم إطعامه إجبارياً بطريقة تجبرنا كذلك على تذكر آليات وأدوات التعذيب في القرون الوسطى التى كانت تسعى لإنتزاع اعتراف من أحد السحرة المزعومين ، مريض آخر مصاب بالبارانويا يصر على إنه سليم وأن المصحة تجعله يجن وأنه يريد العودة إلى السجن ، ربما هو مريض حقاً لكن لا حيلة لنا سوى أن نتفق معه أن المصحة – بأسلوبها والقائمين عليها – كفيلة بجعله أسوأ ، الفيلم يضع النظام الإصلاحي محل شكوك وإعادة نظر .

المصحة نفسها دائرة منسية من دوائر الجحيم ، المجرمين المرضى معدومي الحيلة يتعرضون للإنتهاك النفسي والبدني من قِبل عقول تؤمن أنهم يستحقون ما يحدث لهم ، أو في أحسن تقدير تؤمن أنه لا ضير من عذاب المرضى طالما هم بالأصل مجرمين ، بينما التعاطف الإنساني يكون طيب القلب حد السذاجة لأن "تلك الطريقة الوحيدة للتعامل مع تلك العينة من البشر" ، تلك طريقة تفكير نراها دائماً ، وإن كان الضمير الحي والعقل المتحضر عليهما أن يحاولا لفظ تلك الفكرة من المجتمع .

الفيلم ليس لديه ترتيبات درامية إنما يعرض تفاصيل يومية ، يحافظ على إيقاع هادئ مسيطر مثير للكآبة ، الفرنسي كريس ماركر في فيلمه العظيم Sans Soleil يتسائل لمَ يصر المخرجين على تفادي توجيه الممثلين / الناس نظرهم ناحية الكاميرا ، بينما يمكن عن طريق النظر للكاميرا ما لا يمكن لغيره ، وهذا ما استنبطه العظيم أوزو وطبّقه ، فيلم وايزمان دليل هام على مقولة الفرنسي باقترابه الشديد من وجوه المرضى ومحاولة التقاط نظراتهم ، خاصة عندما ينظر المريض "جيم" للكاميرا بعد أن استفزه بشدة أحد الممرضين .

عنوان الفيلم مأخوذ من برنامج مروع للمواهب يُقام في المصحة ، يشترك به طاقم المستشفى مع المرضى حيث لا نعرف حقاً من المجنون ، أو بالأحرى لا نعرف إن كان هناك عاقل واحد بينهم .

وايزمان ترك العمل كمحامي ومدرس للقانون وقرر أن يصبح مدعي عام لدى الشعب دون أن يخضع لسلطات حكومية ، لكن فقط لذائقته الفنية ، فكان فيلمنا الطافح باليأس أول فيلم يخرجه الناشط الوثائقي ، وايزمان كرر التجربة مع عدد من الهيئات الحكومية الأخرى .

مُنع الفيلم لسنوات طويلة بدافع الحفاظ على خصوصية المرضى ، على الرغم أن وايزمان حصل على موافقة المستشفى و أوصياء المرضى ، فكان أول فيلم أمريكي يتم منعه لسبب بعيد عن الإباحية وتهديد الأمن القومي ، بينما أعتبر البعض أن السبب الحقيقي كان دفن الرؤوس في الرمال وتفادي إحراج المؤسسة الإصلاحية حيث أن الفيلم صادم وكاشف ، بعد ربع قرن من إنتاج الفيلم صدر حكم المحكمة العليا بالسماح بعرض الفيلم بدافع أن المرضى أغلبهم قد توفى ، بالتالي حماية الخصوصية أصبحت أقل أهمية من صيانة حرية التعبير كما ورد في التعديل الأول من الدستور الأمريكي .

"أتمني أن تكون الأفلام الوثائقية مصدر حيرة للمؤرخين في القرن الجديد لأنهم بالإضافة للمواد المطبوعة سيكون لديهم كل تلك الصور لرؤيتها" - فريدريك وايزمان