الخميس، 7 أغسطس، 2014

Samsara

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

إخراج : رون فريك (2011)

هناك لغة محكيّة , وهناك لغة بليغة , واللغة البليغة هي التي تصيب صميم المعنى بأقل عدد من الكلمات , وفي السينما , هناك لغة بصرية , ولغة بصرية بليغة , ورون فريك قدم لوحة بصرية بليغة , قدم افكاره الكونية بلغتها الكونية الوحيدة القادرة على الوصول وبنفس الوقت للمشاهد الاميركي والعربي والصيني دون وسيط او مترجم , هذا هو هاجس هذا العمل الذي حققه .

يذكرني هذا الفلم في جزء منه بعمل المصور الفوتوغرافي الشهير ستيف ماكروي والذي يبحث في الفقر والمعاناة والتهميش الاجتماعي عن الجمال وعن التعدد في الاجناس وتساويها حينما تتعرض لذات الكارثة لذات التهميش , وفي جزء آخر يذكرني بالمصور الفوتوغرافي غريغوري غلبرت صاحب تحفة Ashes and Snow والذي هو الآخر يستخدم طاقاته البصرية لخلق الحس الصوفي اثناء تناوله للحضارات القديمة .

ولكن العنصر المُلهم في هذا الفلم هو ما يخلقه من تضاد وتناقض في الانتقال من المشاهد الهادئة والشديدة الهدوء للمشاهد الصاخبة والشديدة الصخب , بين اقصى الشرق و اقصى الغرب , بين الحضارات الضاربة في عمق التاريخ و الحضارات الناشئة , بين طقوس الحضارات القديمة الروحية و عادات الحضارات الناشئة الاستهلاكية , بين فوضوية الانسان  و تنظيم الخالق , وبين عبثية الخالق وانضباط الانسان , بين قعر الفقر و أوج الغنى , بين ما ابتدعه الخالق و ما ابتكره الانسان , و بين الماضي والحاضر ، بين صناعة الموت , وارادة الحياة .

هذا الفلم يحتقر التعصب للانتماء , ولكنه في نفس الوقت يُغني ثقافة الاختلاف , لذلك انتهى الفلم بمشهد خلط الرمال الملونة , ولذلك السبب صور الحدود بين الكوريتين وبين الاراضي الفلسطينية والاراضي الاسرائيلية بطريقة توحي بالضعف والقلق , هو ينظر لأسس الاختلاف بتصالح , في القدس و بمشهد واحد قدم الاقصى و كنيسة القيامة و حائط المبكى , هذا الفلم يرى ان القدس مدينة للكل فيها حصة , طالما كانت الاديان اسلوباً للاقتتال فهي بذات الوقت وسيلة للتقرب لذات الخالق .

تحفة بصرية لا تقل عن سابقاتها قوة , سواءً Baraka او Koyaanisqatsi أو Powaqqatsi أو Naqoyqatsi ، والتي اصابت ذات الهدف , التعدد في الحضارات له سحر لا يستوعبه إلا من شاهد ما فيها من عظمة , إلا من شعر ان كل انسان في هذه الارض له جذور تتساوى زمنيا بالقرون .