الأحد، 10 أغسطس، 2014

Three Colors: Blue

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : جولييت بينوش ، زبيغنيف زاماخوفسكي
إخراج : كشيشتوف كيشلوفسكي (1993)

الفيلم الأوّل في ثُلاثية الألوان الشهيرة للبولندي (كيشلوفسكي) هو (أزرق) يتحدّث عن سيّدة تُدعى (جولي) تنتقل للعيش في مكان غير الذي كانت تسكُن فيه بعد أن طلبت من محاميها أن يبيع كل أملاكها بعد أن تُوفّي أفراد عائلتها المكوّنة مـن زوجها و أبنتها فـي حادث مروري خرجت منه وحيدة عـلى قيد الحياة ، بعد خروجها مـن المشفى تنتقل إلى مكانها الجديد فـي محاولة منها لنسيان الماضي بجميع آلامه الذي لا يلبث إلا و أن يعود لها من خلال الأحداث التي تراها في حياتها اليومية ، من عزف الرجل على ناصية الطريق ، إلى السيمفونيّة التي كان من المفترض أن ينتهي منها زوجها المُوسيقار من أجل عزفها بمناسبة قيام الإتحاد الأوروبي إلى اكتشافها عـن علاقة سرية بين زوجها و إحدى المُحاميّات و إلي غير ذلك من الأمور .

أقدّر هذا الفيلم كثيراً ، رُبّما هو اقرب أفلام الثُلاثية الي قلبي ولو استثنينا رائعته Blind Chance سيُصبح هذا فيلمي المُفضل للرجُل علي الاطلاق ، لستُ أدري حقّاً كم مَرّة سُرقَت منّي دمعة خلال هذا الفيلم ، ولست أدري ايضاً عدد اللحظَات الأيقونيّة التي تستعصي علي النسيان ، اتابعُ افلام كيشلوفسكي دوماً مشدوهاً فيما بين التصديق أو عَدَمه ، أعلم مُسبقاً ان حواراته تتجه بكُل قوّتها الي العُمق ، وان صورته تفيض شعراً وسحراً ولا تتوقّف عبر الأزمنة .

كيشلوفيسكي قاسي جداً في هذا الفيلم ، يترُك بَطَلة فيلمه وحيدة في هذا العالم ، ترسم قصيدة عن الألم ومرارة الفقد طوال ساعة ونصف ، زوجها الموسيقار الفرنسي العظيم كان يستعد لعزف مقطوعته بمناسبة الوحدة الاوروبيّة ، لكن العائلة تفكّكت , والموسيقى التي كانت تعزف طوال أيام في منزل الموسيقار أصبحَت مُجرّد أوراق , نوتات موسيقيّة ليس لها مَعنى بغياب صاحبها ، والآن ، أين قصيدة الشعر ؟ إنها في روح جولي ذاتها ، تلك الروح المُنقسمة ، الى روح تتعلّق بالماضي ، و أخرى تُفكّر بالمُستقبل .

انجاز كبير في هذا العمل ان تحافظ علي "تون" الصراع بين الروحين ، ارتفاع الأولى عن الثانية ، ثم خفوت الأولى و ارتفاع الثانية ، صراع لا يُحتمل ، لم يظهر هذا الصراع على جولي , من حيث قسمات الوجه أو ارتخاء العضلات , بل لأنها لم تبكي مُنذ الفقد ، لم تبكي أفراد عائلتها بكاءً حقيقياً , زوجها وابنها ، بُكاءها في المستشفى لم يكن على الفقد بقدر ما كان تعزية لها وتسلية ، أن تفرغ مكنونات روحها لدقائق معدودة عبر البكاء ، تكرّرت مفردة البكاء أكثر من مرة هنا ، البكاء في سينما كيشلوفيسكي بكاء مختلف ، طبيعي وحقيقي جداً ، إنه ذلك البكاء الذي قد يُفضّله أحد ما على لحظات السعادة ، البكاء الذي يعطيك دفعة هائلة للمستقبل والحياة ، البكاء الذي يُحرّرك من كل القيود ، لمن يريد أن يعرف كيف يكون البكاء في سينما كيشلوفيسكي يجب أن يشاهد المشهد الأخير من (أزرق) عندما تبكي جولي بكاءً حاراً وصادقاً ، كأصدق ما يكون .

على مستوي الحرفيّة كيشلوفيسكي يُبدع في استخدام الألوان والظلال والتشكيلات البصريّة ، يُكثر من استخدام الكلوز اب ليؤكّد ابتعاده عن مشاهد ابتذال العاطفة واستدرار حُزن جولي ، وساعده جداً أعظم آداء تُقدّمه جولييت بينوش في مسيرتها ، آداء صامِت مكبوت يعتمد علي النظرات والايماءات فقط ، هي لا تفتعل شيئاً ولا توصل الحُزن أو الألم ، بل تتركُه يتسرّب الي قلوب المُشاهدين ، تنجح جداً في اقناعي بمشاعر انسانة تتمكّن من الاستمرار لعدم قدرتها - فقط - على الانتحار ، وفي نفس الوقت تُحب زوجها رغم علمها بخيانته  .