الاثنين، 18 أغسطس، 2014

Three Colors: White

كتب : محمد السجيني

التقييم : 4.5/5

بطولة : جولي ديلبي ، زبيغنيف زاماخوفسكي
إخراج : كشيشتوف كيشلوفسكي (1994)

الفيلم الثاني من ثُلاثيّة الألوَان للبولندي كيشلوفيسكي ، المعروض في فبراير 1994 في مهرجان برلين وحاز على جائزة أفضل اخراج ، لا يُكمل ما قبله رغم ظهور جولي في قاعة المحكمَة اثناء بحثها عن المُحَاميّة ، يتحدّث كيشلوفيسكي هُنا عن المساوَاة ، ولا يتّخذ الكادحين ولا الديمقراطيّة مثالاً هُنا ، وانّما يُقدم مُعالجة مُختلفة بالحديث عن مساوَاة المشاعر .

رجُل بولندي يُدعي (كارول) مُتزوّج من امرأة فرنسيّة تُدعي (دومينيك) ترفع عليه قضيَّة مُطالبة ايّاه بالطلاق لعدَم قُدرته علي تلبيّة احتياجاتها ، تحكم لها المحكمَة ويُفلس كارول تماماً ، يقضي ليلته الأولى في انفاق القطارات ويعزف بعض المَعزوفات لجني المال ، و أثناء ذلك يمر عليه رجل بُولندي يُدعى (ماكلوي) و يعرض عليه العودة لبولندا بشرط أن يقتل شخصاً يرغب بالانتحار ولكنه لا يستطيع أن يفعلها بنفسه ، لان ذلك قد يتّرتب عليه ضرر نفسي أكبر على أهل الضحية ، فيتعجب كارول و يقول كيف لشخص لديه زوجة و أطفال و أموال و يفكر بالانتحار ؟! ، وأثناء تلك الليلة يتصل على زوجته السابقة ليجدها مع شخص أخر تعمّدت هي أن تسمعه صوته اثناء مُمارسة الجنس ، مما يؤثر بشكل كبير على نفسيته بل أنه قرّر الإحتفاظ بعُملة الهاتف لكي تذكره بهذا اليوم السيئ بالنسبة له .

ينجح كارول  بشكل غير شرعي بالعودة إلى بولندا حيث يُسخّر كل قدراته مـن أجل أن يجمع القدر الكافي من المال لينتقم من زوجته التي أحبّها بالرغم أن تفكيره منحصر على الانتقام منها ! ، بل أن انتقامه بالأساس يهدف منه أن تعيش زوجته السابقة الألم الذي عاشه عندما كان يحبها .

كيشلوفيسكي هُنا يصنع هالة من الغُمُوض حول شخصيته الرئيسيّة ، ويحوّلها من زوج عاجز جنسيّاً ، فاشل ، لا يستطيع ان يُحب زوجته ، رجُل سقط في الفراغ والذُل ، الى انسان ينتفض من غُبار اليأس والهزيمة ليصل الي الهيبة والثروة ، ويسعي الي الانتقام ، رجُل حوّله الانتقام الي وحش فاسد لكنّه يدمع عندما يرى امرأته الخائنة خلف القُضبان لأنّه يعلم انّها - رغم كُل ما حدث - هي السبيل الوحيد ليعود انساناً ، وكالعَادة في غُمرة ما يُقدّمه ، كيشلوفيسكي ينتقد بولندا ونظامها الاقتصَادي في سخريّة خفيفة ، ولا يهتم بالتحليل وانّما يكتفي بالتقديم فقط .
 
كيشلوفيسكي يصنع مَلحَمة سخيّة في العطاء ، مُشرّد يعزف الموسيقي يتحوّل الي رجُل أعمال مُحترم ، هروب ثُمّ نجاح ، ثم انتقام ، كيشلوفيسكي هُنا يُعلّمنا درساً  مُهمّا "الحياة صعبة جداً".

على صعِيد الصُورة فالفيلم مغمُور بالبياض ، المترو ، التماثيل ، الأرضيّات ، الثلج ، والبياض هُنا يُوحي بالفراغ ، الفراغ الذي يهوي فيه كارول وتهوي فيه ذاكرته لكنّه يتشبّث بها ، أداء عظيم من جولي ديلبي و زاماكوفسكي ، واحد من اشهر مُمثلي بولندا في ذلك الوقت .