الاثنين، 25 أغسطس، 2014

Three Colors: Red

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : إيرين جاكوب ، جان لوي ترانتينيان
إخراج : كشيشتوف كيشلوفسكي (1994)

الجُزء الثالث والأخير من الثلاثيّة (أحمر) هو فيلم عن الاخاء ، هذه القيمة التي اختفت من مُجتمعاتنا ، يحاول كيشلوفسكي ان يُقدّمها من خلال شخصيّات تتهدّم علاقاتها وتتقاطع في مجموعة من الصدف الغريبة ، فتاة تدعى فالنتين ، في أحد الأيام و أثناء قيادتها لسيارتهَا تصطدم بكلب بالخطَأ ، يُصاب ببعض الجرُوح ، تتفقد الكلب لتجد عنوان صاحبه ، و أثناء وصولها لمنزل صاحب الكلب تجد أنه كبير بالسن و يبدو عليه الحزن و اليأس الواضح ، و حين تخبره بما حدث يُخبرها بأنه لا يهتم .

تُقرر الذهاب بذلك الحيوان إلى الطبيب البيطري ليقدم له المساعدة اللازمة ، بعد فترة يهرب ذلك الكلب و يعود إلى منزل صاحبه (الذي أرسل مبلغ المال الذي دفعته فالنتين من أجل الطبيب بالبريد رغم حس البرود الذي أبداه لها في اللقاء الأول بينهما) و هناك تكتشف فالنتين أن هذا الرجل يجلس طوال الوقت في منزله و يتنصت على مكالمات جيرانه ، تهدد فالنتين صاحب المنزل بأنها ستبلغ عنه إذا لم يتوقف عمّا يفعله ، إلا أن هذا الرجل يقوم بتشغيل جهاز التصنت على أحد جيرانه (الذي يبدو فيه في مكالمة عاطفية من خلف زوجته) و يشير بيديه إلى منزل من يتنصت عليهم و يقول لها هيا أذهبي و أخبريهم بالحقيقة ! ، و لكنها بعد ذهابها إلى المنزل من أجل إخبار أصحابه عن ذلك التصنت تنظر إلى بنت صاحب المنزل الصغيرة و زوجته و تقرر عدم إخبارهم ، لماذا لم تخبرهم ؟ ، صاحب هذا المنزل المتصنت كان يعمل قاضيا ً و يبدو أن هذا العمل كان عِبئاً عليه في الماضي نتيجة لبعض الأحكام التي أصدرها ، فمُهمّة القضاة مهمة صعبة لأنها تُحدد مستقبل أشخاص آخرين و أي حكم خاطئ سيسهم بتوجيه مستقبل المتهمين إمّا بشكل إيجابي أو سلبي ، "هل سأجد في المحكمة قضاه مثلك ؟" "انت لن تذهبي الى المحكمة لأن المحكمة لا تعرف البراءة! "، فيقوم احد الجيران بإلقاء حجر الى نافذته ويكسرها ، فيقول لها "لو كنت مكانهم لفعلت نفس الشيء" ، الشُعُور بالذنب هو من يجعلنا نسير بطريق الصحيح لو كنت مكانهم لسرقت ، لقتلت ، لفعلت أي شيء مما يفعلونه وهذا ينطبق على كل من حكمت عليهم ؟! ، فلمَ سأعيش وانا اشعر بأنني ظلمت الذين حاكمتهم ؟ ، مع الوَقت تستطيع فالنتين ان تنتشل القاضي من عُزلته ، ولا نحتاج ان نتأكّد من ان القاضي و الفتى (اوجست) كل منهما صورة للآخر مع اختلاف الزمَن ، كلاهما درس القانون ، كلاهما تعرّض للخيانة , وكلاهما تجاوز اختبار التخرُّج بحيلة ما قدريَّة .

العمل عظيم جداً في بنائه للصداقة بين بطليه ، في ربط ماضي الشخصيات بحاضرها وبحياة المُحيطين ، سير القدر والامور العبثيّة ، الطرق علي وَتَر المُعاناة والتغيُّر والتناقض في نهاية العمل الصادِمَة ، نجد لقاءً بين من نجوا من غرق الباخرة ، جولي وصديقها من الازرق ، فالنتين وأوجست من الاحمر ، دومنيك وكارول في الابيض ، ليسطر بذلك نهايةً كانت بمثابة الرواية التي تقطع انفاسك وانت تشاهد اجزاءها الثلاثة وتعود اليك الروح فور انقاذ تلك الشخصيات ، معزوفة النهاية هي واحدة من أكثر المشاهد التي أعدتها في مشاهداتي , وتظل بالنسبة لي عاصفة محببة , في ظل عدم القدرة أو عدم الاقتناع بالتغيير , والمُضي بين التسيير والتخيير ختاماً لآخر مُراجعاتي عن كيشلوفسكي ، عُرض الفيلم في مهرجان كان في مايو 1994 ، وصفّق له الحاضرون لخمس دقائق كاملة ، وأخبرهم الرجُل بعدها انه قال كُل ما يريده ، سيعتزل السينما ويمكث في ريف بولندا ، يقرأ الكتاب المُقدَّس ويُدخّن السجائر في هدُوء ، وبعدها بعامين رحل كيشلوفسكي تاركاً لنا تراثاً سينمائيّا عظيماً باقياً في جوف الزمَن ، شُكراً كيشلوفسكي علي كُل ما قدّمت .